البصيرة الذي أخرجهم اللّه اليه ، من ظلمات الهوى إلى نور المعرفة والهدى ، نور أشرق في تلكم الأرواح المستجيبة لدعوة اللّه ، نور يحصل بالسعي دون فوضى ، ومن ثم هو يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يوم الأخرى جزاء وفاقا « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » نور يخرج صاحبه من الخزي هناك كما أخرجه من سائر الظلمات هنا ، ثم يتممه اللّه هناك كما يشاء ويرضى : « يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا » ( 66 : 8 ) « 1 » . نور يلتمس سعيا في الحياة الدنيا ، ومع اختصاصها بأصحابها قد يشفعون من يليق بها أن ينظروا إليهم في الأخرى : « . . انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالَتمِسُوا نُوراً » .
إن سائر الأنوار لا تختص بأصحابها ، فقد تغتصب أو يستفاد منها دون علم أو رضى أصحابها ، يستنير منها الصديق والعدو ، والمؤمن والكافر ، وأما ذلك النور فمثله كنور البصر ، لا يبصر إلا لصاحبه قدر سعيه ، صادرا منه وواردا اليه ، اللهم إلا شفاعة مرضية ، فهو برهان ربّاني : « قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً » ( 4 : 174 ) وهو إيمان ناتج عن ذلك البرهان :
« أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ » ( 39 : 22 ) وهو العمل الصالح الناتج عن الإيمان . ومن ثم هو نور الفرقان الناتج عن خالص الإيمان : ( إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ) ( 8 : 29 ) : مربع النور : ( نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ ) ! .
ترى ولماذا ( بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ ) دون سائر الجهات الأربع أو الست ؟ . . .
لأن هذا النور غير سائر النور ، نور البصيرة وليس البصر ، وإن كان يهدي - فيما
هامش
( 1 ) . راجع سورة التحريم ج 28 - الفرقان