تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
الظَّالِمِينَ » : ظلم التضليل وظلم التضلّل ، مهما اختلفا في مداه ، فإنهما ائتلفا في معناه . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ : إن عقائد التقوى وأعمال التقوى لبنات لتبني شخصية الإنسان للحياتين ، فلتنظر نفس إنسانية ما قدمت من صالحات أو طالحات لغد ، تقوى تتبنى حياته الطيبة ، أو طغوى تتبناها مرذولة نجسة ، تهدم صرح إنسانيته ، فلتنظر لتقدم ما يقدمه دون تأخير ، وتنكير « نفس » يوحي بقلة المراقبين لأحوالهم وأعمالهم كما هو الواقع - وبين المتقين أيضا - فالمعروف الساري بين الناس عدم المراقبة ، والإهمال بشأن « غد » ، لذلك فلتزوّد نفس التقوى العقائدي والعملي بتقوى النظرة والرقابة لما تقدمه نفسه . فواجب الإنسان أن يقدم كل يوم لغده ، وكل غد لما بعده ، فيتخطى - هكذا - حياته الدنيا ، إلى غد الأخرى ، متبنيا صرح‌الحياتين دائبا « فمن ساوى يوماه فهو مغبون » مقدما من كل يوم لغده هنا ، ومن أيام الدنيا جميعا لغد الآخرة ، سلسلة تقدمية من حياة التقوى ليعيش مع اللّه حياته كلها ، وعلّ تثنية التقوى في الآية بدءً وختما ، توحي بمفعول التقوى لغد الدنيا وغد الآخرة مهما كانت الأخرى هي الأحرى « 1 » ، وتشيران كذلك إلى تقوى العمل وتقوى المراقبة
هامش
( 1 ) . فبالنسبة لغد الآخرة يروى عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله قوله : « تصدقوا ولو بصاع من تمر ، ولوببعض صاع ، ولو بقبضة ، ولو ببعض قبضة ، ولو بتمرة ، ولو بشق تمرة ، فمن لم يجد فبكلمة طيبة ، فإن أحدكم لاقى اللّه فيقال له : ألم أفعل بك ؟ ألم أفعل بك ؟ ألم أجعلك سميعا بصيرا ؟ ألم أجعل لك مالا وولدا ؟ فيقول : بلى ، فيقول اللّه تبارك وتعالى : فانظر ما قدمت لنفسك ، قال : فينظر قدامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يجد شيئا يقي به وجهه من النار ( نور الثقلين 5 : 292 ) عن أصول الكافي بإسناده إلى أبي عبد اللّه عليه السلام قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله : وفي الدر المنثور 6 : 201 - أخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن جرير قال : كنت جالسا عند رسول اللّه صلى الله عليه وآله فأتاه قوم مجتابي النمار متقلدي السيوف ، ليس عليهم أزر ولا شيء غيرها ، عامتهم من مضر ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله الذي بهم من الجهد والعرى والجوع تغير وجه رسول اللّه صلى الله عليه وآله ثم قام فدخل بيته ، ثم راح إلى المسجد فصلى الظهر ، ثم صعد منبره فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ذلكم فإن اللّه أنزل في كتابه : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ - إلى قوله - الْفائِزُونَ » تصدقوا قبل أن لا تصدقوا ، تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة ، تصدق امرؤ من دينار ، تصدق امرؤ من درهمه ، تصدق امرؤ من بره من شعيرة من تمره ، لا يحقرن شيء من الصدقة ولو بشق التمرة ، فقام رجل من الأنصار بصرة في كفه فناولها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وهو على منبره فعرف السرور في وجهه فقال : من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا ، ومن سن سنة سيئة فعمل بها كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئا فقام الناس فتفرقوا فمن ذي دينار ومن ذي درهم ومن ذي طعام ومن ذي ومن ذي فاجتمع فقسمه بينهم