عليه يتوكلون ، فهم يقاتلونكم متكلين على هذه المعدات الحربية ، وأما في غير حصار ولا جدر فهم يهربون ويتساقطون رهبة منكم وخوفا ، وكما نلمس هذه الحالة البئيسة من الكفار طوال التاريخ ، نلمسها في حروبهم مع المؤمنين الحقيقيين ، مهما كانوا قلة وأولئك كثرة « كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ » وفيما نرى غلب الكافرين على المؤمنين ، نجده من تفرق المؤمنين وابتعادهم عن مبدئهم ، كما يشهد بذلك التاريخ .
تشهد الاشتباكات المتواصلة بين الفدائيين والصهاينة بصدق هذه الملحمة القرآنية ، فما يقاتلون إلا بتحصنات ومعدات حربية ، فإذا انكشفوا لحظة واحدة ولّوا الأدبار كالجرذان ، ومن ثم لم تكن نكسات المسلمين العرب إلا قدر انتكاساتهم عن الروح الايمانية وتفرقهم بينهم .
« بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ » : قوتهم فيما بينهم شديد ، كما أن : بؤسهم بينهم شديد « 1 » ومن بؤسهم في بأسهم : « تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى » فمظاهرهم تخدع إذ نراهم كأنهم متضامنون ، وفي معسكرات قوية متوحدة ، ولكنما الواقع خلاف الظاهر فإن « قُلُوبُهُمْ شَتَّى » لتشتت أهوائهم وأهدافهم ، فهم يقاتلون ما ظنوا أنهم يقتلون ويحتلون ، فإذا ظنوا أنهم يغلبون أو يقتلون يولون الأدبار ثم لا ينصرون خلاف المؤمنين الحقيقيين الذين هم جميع في قلوبهم ، فإنهم يرونهم منتصرين ، قاتلين ومقتولين فلا يوّلون .
فمهما انتصر الكفار في حربهم مع المؤمنين ، لم يكن ذلك إلا لتشابههم في قلوب شتى ، فتغلب من تزيد عدته وعدّته ، وإنما يظهر حق هذا النبأ القرآني فيما قلّت عِدة المؤمنين وعُدتهم ، أو تساوت مع الكافرين ، فانتصر المؤمنون ، كما في معارك عدّة ، ويعاكسه عكس
هامش
( 1 ) . بأسهم : على أنفسهم هو بؤسهم وعلى غيرهم هو قوتهم ، فالمعنيان هما هنا معنيان .