إن الأخوة على ألوان يجمعها الوجه المشترك بين جماعة ، يربطهم برباط واحد كجامع الوطن ، إذ آخى بين عاد وهود ( 7 : 65 ) وصالح وثمود ( 7 : 73 ) ومدين وشعيب ( 7 : 85 ) ولوط وسدوم ( 50 : 13 ) مهما تناقضوا في العقيدة أو تباعدوا في النسب .
وجامع النسب كما هو ظاهر ، وجامع الإيمان : « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » ( 49 : 10 ) وجامع الكفر : « وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ » ( 7 : 202 ) وهذه الآية :
« يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ » : بني النضير ، لما قرر إخراجهم من قريتهم لما خانوا ونقضوا عهدهم « لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ » إيحاء لهم بشدة رباط الاخوة بينهم لحدّ : « وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً » حتى الرسول الذي آمنا به بألسنتنا ، فقد نجاهره بالخلاف لصالحكم ، وإيحاء ثان هو أشد وآكد : « وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ » بالنفس والنفيس ، فقلوبنا معكم ، وأسيافنا لكم ، ولكن اللّه يفضحهم أن نفاقهم مزدوج ، ينافقون إخوانهم كما نافقوا المسلمين « وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ » وهذه الشهادة أصبحت ملموسة لبني النضير عن نفاق مدروس من إخوانهم المنافقين .
لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ : فقد كان لا بدّ للمنافقين أن يفوا لإخوانهم بوعدهم في هذا الثالوث المنحوس : فيخرجوا معهم إن أخرجوا ، وينصرونهم إن قوتلوا ، ولا يوّلوا الأدبار إن نصروهم ، تطبيقا لوعدهم ، أو ليكذبوا نبأ القرآن عنهم ، ولكنهم ما فعلوا من ذلك شيئا ، وكيف بالإمكان تكذيب القرآن رغم واقع الاختيار لهؤلاء الذين يتربصون بالإسلام الدوائر ، ولكن عليهم دائرة السوء وكلمة اللّه هي العليا ، فلقد وقع ما نبّئ النبي من كيد المنافقين ، كما وقع مئات ومئات من هذه الأنباء الغيبية ، التي هي حجج دامغة على الناكرين .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 385
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٣٨٥