إنهم يحسبون المكر والخداع شطارة ولباقة ، سياسة يتذرعونها إلى ما يهوون ، فان الغاية عندهم تبرّر الوسيلة ، ولأن الأصل من الحياة عندهم حيوانيتها وشهواتها ، والوصول إلى بغيتهم ومصالحهم الشخصية ، أو الجماعية التي تبوء إليها ، يحسبونها إصلاحها وفلاحها ، لذلك يعدّون فسادهم صلاحا وإفسادهم إصلاحا : « إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ » : لا شغل لنا إلّا الإصلاح ، وهم صادقون في إصلاح حيونة الحياة لهم ، وكاذبون في إنسانيتها وقيمها وقوامها .
إنهم يتبجهون بثرواتهم ونزواتهم ، طنطناتهم وعربداتهم ، زهواتهم وزهزاتهم ، وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا « أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ » فقط - كأن لا مفسد سواهم ، إذ ينافقون دوما ولا يوافقون ، « وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ » أنهم هم المفسدون ، حيث رأوا الصلاح فسادا ، والفساد صلاحا : « ولكنه أخلد إلى الأرض هواه وكان امره فرطا » .
إنهم لا شغل لهم إلّا الإفساد : في الحرث والنسل ، في الثقافة والعقيدة ، في الإقتصاد والسياسة ، وفي كافة الحقول الحيوية ، محتلّين ساحاتها ، طاردين أصحابها ، متدخلين في كل رطب ويابس وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا : أنهم هم المصلحون ومن سواهم مفسدون ! : وحتى النبيين : « وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ » ( 7 : 127 ) رغم أنهم هم : « . . الْمُسْرِفِينَ . الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ » ( 26 : 152 ) وقد يوجهون نفاقهم العارم بمسايرة الكافرين حفاظا على المؤمنين : « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ، فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً » ( 4 : 62 ) .
فهم يعتبرون صدّهم عن رسول اللّه إحسانا إليه وتوفيقا بينه وبين الكافرين ، اقتساما
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 218
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٢١٨