والقائل هو الرسول ومن معه - « قالوا » في جفوة وغرور واستعجاب وهزء وزور : « أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ » فإن هذا الإيمان خاص بفقراء الناس وأراذلهم دون الأغنياء العليّة ذوي المقام - فجاء الجواب الحاسم : « أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ » .
والسفه هو خفة العقل وبلادته ، حيث السفيه يفسد ويحسبه مصلحا ، ويضيع ويراه حافظا ، لجهله بموارد الإصلاح وموازينه ، وخفة عقله ، مهما كان مثقفا في مختلف العلوم الزمنية - ف « رب عالم قتله جهله » ! فهم يعتبرون الإيمان الصادق سفها ، والنفاق عقلا ، إذ يمكّن العشرة مع المؤمن والكافر فيربح الجوّين ، ويؤمن الخطرين ، وهذه هي الحياة العاقلة عند هؤلاء المجاهيل ، وحياة الايمان عندهم سفيهة ! تخص المجاهيل . وهكذا يكون دوما دور غير المؤمنين : منافقين وكافرين ، أن الايمان سفه ورجعية سوداء وتأخر عن الحياة في زعمهم ، والكفر والنفاق سياسة حيوية وشطارة ، وأن موافقة السر والعلن . تفسد الحياة ، ومنافقتهما تصلحها ، حيث اختلف لديهم موازين الحياة الصالحة ، إذا أخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهوائهم فكان أمرهم فرطا ! :
ولماذا هنا « الناس » لا « المؤمنون » وهم ناس خصوص دون سائر الناس ، وقد ذكر « الناس » في القرآن أكثر بكثير من المؤمنين والمتقين - وحتى المسلمين : الذين هم أعم من المؤمنين - فإنه ( 241 ) مرة وهي كلها خطابات عامة ؟
علّه لأن المطلوب منهم فعلا أقل درجات الإيمان التي تخرجهم - لأقل تقدير - عن كفر النفاق ، وأن هذا الإيمان لا يكلّفهم إلّا أن يكونوا من سواد الناس ، ولهم ما لسائر الناس من عقل وإدراك ، فإذا لم يؤمنوا كما الناس فهم أولاء إذا نسناس ، فاقدين ما للناس من عقل ، « أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ » علم الناس ، حيث الإيمان هكذا لا يتطلب براعة في العلم والعقل ، وإنما يكفيه كونك على مشارف العقل دون أشرافه ! وترى
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 220
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٢٢٠