دنياكم تبرا ، ولا ادّخرت من غنائمها وفرا ، ولا أعددت لبالي ثوبي طهرا ، ولا حزت من أرضها شبرا ، ولا أخذت منه إلّا كقوت أتان دبرة ، ولهي في عيني أوهى وأهون من عفصة مقرة . . . ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشبع ، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى ، وأكباد حرّى ، أو أكون كما قال القائل :
وحسبك داء أن تبيت ببطنة . وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ ، أقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش ، فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات ، كالبهيمة المربوطة همها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمّمها ، تكترش من أعلافها ، وتلهو عما يراد بها ، أو أترك سدى وأهمل عابثا ، أو أجرّ حبل الضلالة ، أو أعتسف طريق المتاهة . . ( 284 ) - ذلك ، وفيما يروى عن رسول الهدى ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » حيث شبه الدنيا بالسجن للمؤمن إذ قصر فيها خطوة عن اللذات المرسلة ، وكبح لجامه عن الشهوات المقبلة ، وحصر نفسه عن التسرع إلى ما تدعو إليه الدواعي ، والأهواء المردية ، وكان زمام نفسه وخطامها وهاويها وإمامها خائفا خوف الجاني المرعوب ، والطريد المطلوب ، في عصبته عملوا للمعاد ، وقطفوا للزاد ، تحسبهم من طول سجودهم أمواتا ، ومن طول قيامهم نباتا .
وشبهها صلى الله عليه وآله بالجنة للكافر من حيث استوعب فيها شهواته ، واستفرغ لذاته ، وقضى فيها الأوطار ، وتعجّل المسارّ ، واستهواه عاجل حطامها ، وريق جماعها ، فنسي العاقبة ،
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 164
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٦٤