الشرك مهما لم تسبق له سابقة حيث يقال لكلّ معرض عن الحق أنه رجعي راجع إلى الوراء ، فإن الوراء لا تعني - فقط - كونه في زمنه ، بل وكيانه ، وهو الانتقاص بعد الكمال والانتقاض بعد الاستحكام في النوال .
ذلك ، وكما تعني « قل » القول الرسالي عن المجموعة المؤمنة ، دون القول الرسولي عن نفسه المقدسة التي كونت على التوحيد الوطيد ، وذلك قضية اصطفاءه على العالمين ، فكيف يصطفى من له سابقة إشراك على من لم تسبق له من الناشئين على التوحيد الحق وحق التوحيد .
فهنا « بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ » تعم هدى الفطرة والعقلية والوحي ، المجتمعة في رسول الهدى صلى الله عليه وآله منذ ولادة ، والمتفرقة فيمن سواه ممن آمن ثم كفر ، أو كان كافرا ثم آمن ، أو من يمكن في حقه الانقلاب من إيمان إلى كفر أو من كفر إلى إيمان ، وليس منهم رسول الهدى صلى الله عليه وآله ومن يحذوا محذاه ويرمي مرماه . والاستهواء هنا من كلا الهويّ والهوى ، فما لم يستهو الشيطان هوى لم يكن ليستهوي هويّا ، فالخطوات الأولى من الشياطين هي تتركز على استهواء الهوى ، طلبا لها لكي تهوى ما تهوى ، ثم تتبع هوى الشياطين ومن ثم تستهوي هويّا في الأرض من كلّ على إلى كلّ سفل : « . . وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ » ( 22 : 31 ) .
إذاً ، ف « اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ » هويا ، هي تطلّب سقوطهم من المكانة العالية الانسانية والايمانية إلى هوات ساقطة وهيدة بعيدة في ظلمات الأرض ، فهم - إذا - سيّقة الشيطان وكرة لأقدامه ، أينما يستهويهم يهوونه ، وذلك هو الضلال البعيد ، والحيرة الحائرة المائرة ، والأرض تعني أرض حياة الأهواء والشهوات .
ذلك ، وأخيرا نسأل أدبيا : كيف « هو الهدى » و « هدى اللّه » مؤنث لغويا ؟ والجواب
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 158
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٥٨