ف « مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ » بكل ما يستقبله السالك ويستقبل السالك من الآخرة والأولى وما بينهما ، من أعمال وآمال وسائر الآماد المستقبلة ، استخداما لها كلها لتضليله ، صدا عن حاضره ومستقبله من صراط اللّه ، ولكيلا يستقبل خيرا .
« وَمِنْ خَلْفِهِمْ » مما يستدبره السالك من دنياه بأعماله المسلوكة سلك الصراط ، هدما له وحبطا إياه ، تزيينا لقبحه وتقبيحا لصالحه .
« وَعَنْ أَيْمانِهِمْ » وهي أيمان الدين حيث يأتي بنقاب القدسية الشرعية ويصد عنها ، إلى أيمان الفِطَر والعقول والأفكار والصدور والقلوب ، فتشل الأيمان التي هي ذرائع إلى الصراط المستقيم .
« وَعَنْ شَمائِلِهِمْ » وهي شهواتهم حيث يزينها لهم فيحسبون أنهم يحسنون صنعا « 1 » وإلى أنفسهم الأمارة بالسوء وأعمالهم السيئة ، فالعقلية الإيمانية والشهوة الشيطانية هما من المداخل الأنفسية للشيطان ، ثم الآخرة والأولى هما من المداخل الآفاقية إلى إضلال الإنسان ، وحينئذ تنسد عليه كل منافذ الصراط المستقيم .
فقد يقعد لهم الشيطان « صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ » قعدة شيطانية تحلّق على هذه الجهات الأربع ، حصرا في الشهوات وحسرا عن العقليات ، والنتيجة الحاسمة : « وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ » حيث يتلفتون إلى الشيطان ويتفلّتون عن الرحمن ، ثم يبقى أقلهم وهم المخلصون : « قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الُمخْلَصِينَ » ( 38 : 82 ) .
هامش
( 1 )
. عن مجمع البيان روي عن أبي جعفر ( عليه السّلام ) « ثُمَّ لآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ » معناه أهوّنعليهم أمر الآخرة « وَمِنْ خَلْفِهِمْ » آمرهم بجمع الأموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم « وَعَنْ أَيْمانِهِمْ » أفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة « وَعَنْ شَمائِلِهِمْ » بتحبيب اللذات إليهم وتغليب الشهوات على قلوبهم