أجل ، ولأن « صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ » ليس طريقا حسيا ، فالجهات الأربع في قعدة الصراط - الإبلسية - كذلك ليست هي الجهات الحسية الجغرافية - وهي ستة - بل هي الجهات المعنوية التي تعني الحياة الإنسانية ، الناحية منحى الصراط المستقيم من تعمير مثلث زمان التكليف بإحكام العقلية الإنسانية وأحكامها على ضوء الفطرة والوحي ، وحصر الأهواء الطائشة وأسرها عما لا يحل .
ذلك ، وفي نظرة أوسع نرى « مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ » تحلقان على كافة الآيات الآفاقية ، ثم « عَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ » تشملان كل الآيات الأنفسية ، ثم « مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ » تعم كافة الآمال والأحوال المستقبلة ، مقبولة لديك أو محتملة ، واقعة أو متخيلة ، فمنها الحياة البرزخية والحياة الأخرى حيث يأتينا منهما نكرانا لهما أم تزييفا لموقفهما حتى لا تؤثرا في صالح الأعمال .
و « من خلفهم » تشمل كل خلف للكون ، ومنها هل له من خالق ؟
حيث يتفلسف ماديا لاثبات أزلية المادة ، أم في تفلسف آخر يقرر أصول الفلسفة المنحرفة كالأزلية الزمانية للعالم ، ووحدة حقيقة الوجود بين الخالق والمخلوق ، ومسانختهما لأن فاقد الشيء لا يعطيه ، وغل يدي الخالق حيث الواحد لا يصدر منه إلا واحد ، وما أشبه من خلاف العقل والنص كتابا وسنة .
أم القول بالتعدد اللاهوتي ثنويا أو ثالوثيا وما أشبه من الخرافات المحلقة على فكرة « اللّه » .
ثم « عَنْ أَيْمانِهِمْ » تعم العقل بجنوده « وَعَنْ شَمائِلِهِمْ » تشمل الجهل وجنوده ، إظهارا للعقل بجنوده جهلا ، وللجهل بجنوده عقلا ، وخلطا بين كل حق وباطل للبسطاء الذين لا يعقلون ، بل والخلط على العلماء ، اللهم إلا المخلصون والمخلصون .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 106
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٠٦