ولماذا « من » في الأولين و « عن » في الآخرين ، علّه لأن « بين أيديهم وخلفهم » هما جهات منفصلة عنا فهو يأتينا منهما إلينا حتى يضلنا عنهما ، ولكن « أيمانهم وشمائلهم » هما فينا ، فليأتنا تجاوزا عنهما ، فالأيمان هي الفطر والعقول والأديان . والشمائل هي الأنفس الأمارة بالسوء والشهوات .
ثم وذلك الإتيان المربعة الجهات هو بوعده وتمنيّه : « يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً » ( 4 : 120 ) وتخويفه عن سلوك الصراط : « إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ » ( 3 : 175 ) كما « الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ » ( 2 : 268 ) .
وعلى الجملة كلّ خطواته المحلّقة على مربعة الجهات : « وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ » ( 2 : 168 ) وذلك هو احتناكه لهم كما وعد : « قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا » ( 17 : 62 ) .
وقد تعني « شاكرين » ما يعم المخلصين إلى المخلصين ، ويؤيده : « إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ » ( 15 : ) 42 ) والمخلصون - كما المخلصون - ليسوا من الغاوين مهما اختلفت الدرجات ، فإتيان الشيطان عن اليمين : الدين ، يعم الدينين وغير الدينين ، فالأولون يؤتون بتشكيكات حول الدين ، أو تأويلات بتسويلات ، وتسهيلات في الدين تلائم كافة التخلفات والتحذلقات كالصوفية العارمة التي لا تبقي للدين إلّا صورة خيالية لا واقع لها في واقع الحياة .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 108
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٠٨