ثم وسناد هؤلاء إلى رب السماوات والأرض تنبيه انها ليست لتصدر عن غيره ، فأنت أنت يا فرعون تدعى « أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى » ولا تقدر على أصغر آية منها أو تدفع عنها ، فكيف تعطف بها إلى سحر أم جنون ، في حين ان العقلاء بأجمعهم لا يستطيعونها ولا أصغر آية منها ، وحتى الأرضية فيها فضلا عن السماء ! فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً ( 103 ) .
إرادة استفزازية فرعونية ، فرارا عن الحجج الموسوية بالبصائر الإلهية ، ولجوء إلى طغوى مادية هي سنة للطغات ، حيث يواجهون الحجة العقلية بالقوة المادية اللّاعقلية . . . فلانه ما استطاع استفزازا لحجته وصدا عاقلا لمعجته ، أراد أن يستفزهم من الأرض استئصالا عن الأرض كلها بقتلهم ، أو إخراجا عن أرض الفرعنة « فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً » دون إبقاء ! :
« فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ . فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ . فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ . وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الآْخَرِينَ . وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآْخَرِينَ . إِنَّ فِي ذلِكَ لآَيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ » ( 26 : 67 ) .
وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الآْخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً ( 104 ) .
الأرض هذه هي ارض مصر كما استضعفوا فيه : « وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ » ( 28 : 5 ) فالمستضعفون من بني إسرائيل سكنوا ارض مصر واثة عن فرعون وملئه ، ولو كانت هي الأرض المقدسة
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 437
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤٣٧