« إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ » في دعواك الرسالة ، و « مِنَ الصَّادِقِينَ » ان تجيئني بشيء مبين « فَأْتِ بِهِ » تعجيزا لموسى عليه السلام كأنه من الكاذبين .
فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ( 32 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 33 ) .
آيتان باهرتان قاهرتان تحوّلان جوّ البلاط الفرعوني المتبلّج إلى جو متلجلج ، مما يحمل فرعون إلى خربطة القول ف : قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ( 34 ) .
لقد شعر فرعون - وهو لا يشعر - انه خارقة منقطعة النظير في كل ما رآه من سحرته ، فأحس بضخامتها فوخامتها في وهه أمام حاشيته ، إذ كادوا يتملقون من حوله ، فحاول التغطئة بهذه التخطئة : « إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ » ! « عليم » مكين في علمه ، ليس كالذين نعرفهم عندنا ، بل « إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ . . » ( 50 )
فموسى هنالك في حواره مجنون » هناك وهنا في شيئه المبين « ساحر » وقد أتم وأطم آية الثعبان واليد البيضاء ، محسوسة ملموسة ، إلى الآيات الفطرية والعقلية ، فالطاغي الذي يتنازل عن عقله وفطرته فلا تفيده البراهين ، ينقّل إلى آيات محسوسة يصدقها حتى المجانين ، ولكن هذه الطاغية ليس ليسكت عن غوغائيات التهم الجارفة ، الهارفة الخارفة :
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ ( 35 ) .
فلأنه يرى تثاقلهم إلى أرضهم ، وان هذه السلطة هي بغيتهم الآصلة الحاصلة ، يهددهم بإخراجهم من أرضهم لو اتبعوا هذا الساحر العليم ، وفي ذلك استلاب السلطة الروحية : « وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى » ( 20 : 63 ) والزمنية المزيجة بها ، وهذه غاية الشيطنة في الفرعنة .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 413
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤١٣