وقد يبدو من هذه القولة عظمة الآية مهما سماها سحرا حيث يصف صاحبها بأنه عليم ، ليس كسائر السحرة ، ويبدو خوفه من تأثر من حوله فيهدّدهم بإخراجهم من أرضهم ، ويبدو تضعضعه وتهاويه أمام هذا الساحر العليم ! فيستمد ممن حوله متواضعا متسكعا - وقد ادعى انه ربهم الأعلى - فيطلب أمرهم ورأيهم في ذلك المأزق الخطير « فَما ذا تَأْمُرُونَ » ! ومتى تراه كان يطلب أمرهم وهم له يسجدون ؟ .
انها شنشنة الطغاة بعد طنطنتهم حين تزل اقدامهم وتضل أحلامهم وتكل أفهامهم ، فيلينون في القول بعد الخشونة ، ويتواضعون لأمرهم ورأيهم بكل مرونة بعد العرونة ، ويا له كيدا ما أشطنه في ثالوثه المنحوس : « إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ » حيث استفاد هذه التهمة من السحر ، فقد يجوز ان ينتهي بسحره إلى ذلك الحد القمة « يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ » وارض الوطن بهذه السلطة القوية المرموقة محبوبة لأهلها كأنفسهم « فَما ذا تَأْمُرُونَ » كلام مرن يحرّك العواطف الدفينة ويغطي على الضغائن الكامنة ، ويستحث الحاشية الملكية على إمعان التفكير لتخليص الملك وإياهم عن ذلك المأزق العميق ، فكانت النتيجة ان : قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 36 ) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ( 37 ) .
هنا يشير عليه ملأه آمرين كما تطلّب منهم ، وهم شركائه في فرعنته وصرح سلطته ، وأصحاب المصلحة في بقاء كيانه « قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ » إمهالا إلى أجل دون عجل ، فإن هامة أمره الإمر تقتضي تروّيا ومحاولة جماعية :
« وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ » المصرية أم وسواها « حاشرين » : جامعين « يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ » دون سقاطهم ، بل اصطفاء للرعيل الأعلى منهم لإقامة تلك المباراة
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 414
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤١٤