ألا تستمعون إلى ذلك التقوّل العجاب ، كيف يجرأ عبد من عبيدي أن يختلق ربا للكون كله ويجعلني ضمنه و « أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى » ! وقد يكفي ردا عليه ادعاءه الجوفاء الخواء أمام الرب الأعلى أنه مرسل اليّ من رب العالمين ! أترى موسى يجيبه عن لاغيته ؟ كلّا ! بل يمر عليها مر الكرام مستمرا في تعريفه برب العالمين :
قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الأَوَّلِينَ ( 26 ) .
إن رب العالمين - رب السماوات والأرض وما بينهما - هو « ربكم » :
فرعون وملؤه ، « وَرَبُّ آبائِكُمُ الأَوَّلِينَ » فان كنت يا فرعون ربا لمن حولك ومن معك كما تزعم ، فهو « رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الأَوَّلِينَ » .
وهذه أشد مساسا بفرعون ودعواه ، وأحدّ مراسا لاثبات الربوبية العالمية ، مما يدفع فرعون إلى قولة جنونية تجنّن موسى ، وليسقّطه عن عقلية
الحوار ، ويجتثّ الحق عن كل دعاويه :
قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمجْنُونٌ ( 27 ) .
وذلك تهكّم في أصل الرسالة ، فقضاء - في زعمه - على ما يحمله من مواد الرسالة الإلهية ، ضربا عميقا عميما على موسى في الصميم ، كفاحا عن ضربته السياسية والدينية على فرعون في الصميم .
أترى موسى يقابل الطاغية بالمثل قائلا : ان ربكم الأعلى لمجنون ؟
كلّا ! بل هو يمضي في طريقه قدما كأن لم يسمع قولته الباغية :
قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 28 ) .
فإن كنت أنا الرسول المجنون بسند التعريف بالربوبية العالمية ، فمن رب المشرق
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 410
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤١٠