« فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ » - : « وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ . فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ . . » ( 28 : 21 ) ( يترقب » الفرج ، وان يعجل في آجل الرسالة « فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً » بعد الحكم الأوّل - وطبعا ل - فوقه لحدّ « وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ » .
وأما تربيتي فيكم ويدا ولبثي عندكم من عمري سنين فلم تكن نعمة تمنها عليّ :
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 22 ) .
فلو لا تعبيدك بني إسرائيل أسرا وحصرا وقتلا لولائدهم واستحياء لنسائهم لما اضطرت أمي أن تقذفني في التابوت « أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ
فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له . وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني » ( 20 : 39 ) .
إذا فأنا صنيع الرب وربيّه عندك ، حفاظا ربانيا عن بأسك وأنتم لا تشعرون ، وما كان منكم إلّاقصد الانتفاع مني « لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ » ( 28 : 9 ) وهذا تعبيد لي من وجه آخر غير ما كان لسائر بني إسرائيل .
فأية نعمة تمنها علي وهي في كل زواياها وحواياها تعبيد لبني إسرائيل ؟
فالرسم الملكي بتقتيل الأبناء المستثنى فيّ ، كان رسما لتعبيدي انا في وه آخر ، فحتى لو كانت نعمة منك عليّ ، فهي ليست لتطارد نعمة الرسالة الإلهية وهي أنعم النعم ، فليست قضية النعمة من بشر لبشر نكران أو نسيان النعمة الإلهية الكبرى الرسالية ، على أن كل نعمة تصل العبد فإنما هي بتقدير من اللَّه قدّره ، ولا سيما نعمة الحفاظ على نفسي عند أعدى أعاديّ « يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ . . . » !
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 407
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤٠٧