جواري : وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ( 55 : 24 ) .
وأما كيف حملتنا ؟ إنها حملتنا ونحن ذرية في أصلاب آبائنا المحمولين فيها ، فقد حملنا بما حملوا ، رحمة مزدوجة من ربنا : لنا ولهم ، فكما يمن عليهم كذلك علينا وأحرى إذ حملنا ولم نكن شيئا مذكورا ، إلا ذرية ، وهو آية للرحمة والقدرة الإلهية : وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 36 : 41 ) فليست ذريتهم - وهم الموجودون حين نزول الآية - إنها ليست أبناءهم ، كيف ولم يكونوا موجودين وقتذاك فضلا عن أولادهم ، ولا أجدادهم ، لأنهم ليسوا ذرية في أية لغة واصطلاح ، وإنما ذُرِّيَّتَهُمْ هم أنفسهم إذ كانوا ذرية ( إضافة الشيء إلى نفسه اعتبارا بالحالة المسبقة ) كما يقال : نطفتك - ميتتك - جيفتك ، والمعنى فيها أنت حينما كنت نطفة ، وحين تكون ميتة وجيفة كذلك الحال في ذُرِّيَّتَهُمْ فهم أنفسهم إذ كانوا ذرية في أصلاب آبائهم ، ولئن كان هذا المعنى خفيا في البداية ، فقرينة آية الجارية : حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ وكذلك نفس آية الذرية ، فيهما الكفاية التامة لحصر معناها في إضافة الذرية إلى نفسها :
ذُرِّيَّتَهُمْ حملناهم إذ كانوا ذرية ، وما أحسنه تعبيرا عن الحالة المسبقة الضئيلة للإنسان ، ولكي يتنبه نعمة اللّه عليه إذ لم يكن شيئا مذكورا .
لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً : لنجعل الجارية التي حملتكم في أصلاب أجدادكم ، نجعلها لكم تذكرة : تذكرة في نعمتها لحملكم ، وتذكرة في جريانها عبر التاريخبآثارها الخالدة وأنقاضها الباقية بعد جريانها عبر البحر المحيط : وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 54 :
15 ) : إذ ظلت باقية حتى الآن : فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ ( 29 :
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 89
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٨٩