الدين ، كما أن مختلف الواجبات والمحرمات حسب مختلف الظروف والحالات لا تضرّ بها ، وإنما التنديد في هذه الآية واضرابها بمن يتفرقون في أصل الدين عن هوى جاهلة ، دون اختلاف الاجتهادات في البعض من فروعها عن هدى كاملة ، سنادا إلى الكتاب والسنة ، اللهم إلّا اجتهادات منتخلّفة عن حجة الكتاب وثابت السنة قاصرة أم مقصرة .
ومن جلوات الفطرة بأحكامها حالات الضرّ وتقطّع الأسباب إذ لا أمل فيما كانوا يأملون أو يعملون :
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ 33 .
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ . لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 29 : 66 ) .
وهذه اندفاعة وإنابة إلى اللّه فطريا بتيارات الضر الطائرات أحيانا ، إذ لا يجد الإنسان عندها ملجأً إلّا اللّه الذي كان ناكره أو مشركا به قبلها ، فهنا دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ اتجاها ضاربا بنوبات متتالية وصرخات مدوية لا تنقطع .
ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً تكشف ضرهم إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ وهم الأكثرية الساحقة بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ سواه قائلين : هذه صدفة طيبة ، أم لولا فلان لما كشف عني ضري ، أماذا من خربطات القيلات التي هي ويلات على أصحابها ، وترى ما هو موقف منه هنا ؟ هل هي : من اللّه ؟ ولا ريب في أن رحمة اللّه هي من اللّه لا سواه ، ولا سيما أن القائل هو اللّه ، فقد تلمح منه كأن هناك رحمات من غير اللّه يؤتيها اللّه لمن مسّه ضر ، ويكأن اللّه
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 40
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤٠