رأى والفرق بين الرؤيتين : المعرفيتين ، أن المعراجية منهما مزوّدة بزاد التدلي ، وليست الدائمة هكذا ، فإن الحياة الرسالية وفي الأرض وبين الناس ، تتنافى والتدلي ، الذي هو تحلّل عن كل شيء ، وتغافل حتى عن نفسه فضلا عمن سواه ، إلا اللّه واللّه فقط .
إن صاحب المعراج رأى ربه هناك بنور اليقين ، وعلى حدّ المروي عنه صلى الله عليه وآله : لم أره بعيني ورأيته بفؤادي مرتين جوابا عن سؤال : هل رأيت ربك ؟ ثم تلا ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى « 1 » وقال : نوراني أراه « 2 » : أن خرق له في الحجب مثل سمّ الإبرة فرأى من نور العظمة ما شاء اللّه أن يرى على حدّ المروي عن الإمام الرضا عليه السلام « 3 » وما نور العظمة بعد خرق الحجب إلا نور المعرفة النهائية ، الممكنة لمن سوى اللّه .
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى : وقد توحي أن الرؤية الأولى كانت عند النزلة الأولى ، وبعد ما وصل إلى عمق من المعراج : سدرة المنتهى ، وأنه صلى الله عليه وآله عرج هكذا مرتين : « 4 » فلكل نزلة عروج ، وعلّ الرؤية هنا وهناك كانت بين النزلة والعروج ، حينما كانت المعرفة بالغة الذروة ، والتدلي إلى النهاية ، . . ولماذا عند النزلة ؟ إذ هي النهاية في سير المعراج فهي أعلى المعراج ، ولأن النزلة قد تعني نزوله عن كافة الإنيات ، وخروجه عن جميع الحجابات ، ولحد الصفر واللاشيء ، إذ يترك وراءه كل شيء ، فلا يرى أيشيء ، وإنما يرى خالق كل شيء ، وقد أصبح بتمامه عينا وبصيرة ، فرآه في هذه النزلة وبين منتهى المعراج ومبتدء النزول ، رآه كما يمكن أن يراه .
هامش
( 1 ) . الدر المنثور 6 : 124 - أخرجه جماعة عن كعب القرظي عن بعض الأصحاب عنه صلى الله عليه وآله .
( 2 ) . الدر المنثور أخرجه مسلم والترمذي وابن مردويه عن أبي ذر قال سألت رسول اللّه صلى الله عليه وآله هلرأيت ربك ؟ قال : .
( 3 ) . القمي بإسناد متصل عن علي بن موسى الرضا عليه السلام في حديث
( 4 ) . كما في أحاديث عدة ، مثل ما مضى عن الصادق عليه السلام في جواب أبي بصير عن قوله : كم عرجبرسول اللّه صلى الله عليه وآله ؟ فقال : مرتين