فالمعيشة الضنك المخلّفة من الاعراض عن ذكر اللّه هي الضلال المبين والشقاء الأشقى وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى هي ابرز مصاديق المعيشة الضنك ، ثم البرزخ ثم الدنيا « 1 » .
والقلب الهاوي المضطرب المرتكن إلى الدنيا ولذاتها لا يعيش صاحبه الا معيشة ضنكا مهما كان في سعة ومتاع ، حيث المقطوع الصلة عن اللّه والاطمئنان إلى حماه هو في ضيق وضنك الحيرة ، حرصا على حاضره ، وحزنا على غابره ، وطمعا في مستقبله بكل محاظره ، فهو دائبا يعيش ضنك الجري وراء بوارق المطامع والحسرات على ما لا يناله ، وقد يروى عن رسول الهدى قوله عقوبة المعصية ثلاثة ضيق المعيشة والعسر في الشدة وأن لا يتوصل إلى قوته الا بمعصية الله تعالى « 2 » .
وهذه هي الدنيا التي لا جزاء فيها ، فكيف بالآخرة ؟
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى كما كان يوم الدنيا أعمى وأين عمى من عمى ؟ .
وتراها عمى عن البصر فلا يبصرون هناك شيئا ؟ فكيف يقال لهم اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 17 : 14 ) إِذِ الُمجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا ( 32 : 12 ) .
أم عمى عن البصيرة ؟ ولم تكن لهم بصيرة في الأولى حتى يعموا عنها في الأخرى ! .
الأصل في العمى هي التي عن البصيرة : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الآْخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ( 17 : 72 ) فهي - إذا - عمى الضلال عن السبيل ، مهما كان بصيرا
هامش
( 1 ) . الدر المنثور 4 : 311 عن النبي صلى الله عليه وآله في الآية قال : عذاب القبر
( 2 ) . التفسير الكبير للفخر الرازي 22 : 131 روي عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : . . . .