تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك ؟ متى استهوتك أم متى غرتك ؟ أبمصارع آبائك من البلى ، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى ؟ كم عللت بكفيك ؟ وكم مرضت بيديك ؟ تبغي لهم الشفاء ، وتستوصف لهم الأطباء ، غداة لا يغني عنهم دواؤك ، ولا يجدي عليهم بكاءك ، لم ينفع أحدهم إشفاقك ، ولم تسعف فيه بطلبتك ، ولم تدفع عنه بقوتك ، وقد مثلت لك به الدنيا نفسك ، وبمصرعه مصرعك . إن الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزود منها ، ودار موعظة لمن اتعظ بها ، مسجد أحباء الله ، ومصلى ملائكة الله ، ومهبط وحي الله ، ومتجر أولياء الله ، اكتسبوا فيها الرحمة ، وربحوا فيها الجنة ، فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها وأهلها ، فمثلت لهم ببلاءها البلاء ، وشوقتهم بسرورها إلى السرور ، راحت بعافية ، وابتكرت بفجيعة ، ترغيبا وترهيبا ، وتخويفا وتحذيرا ، فذمها رجال غداة الندامة ، وحمدها آخرون يوم القيامة ، ذكرتهم فتذكروا ، وحدثتهم فصدقوا ، ووعظتهم فاتعظوا . وله من ذم الدنيا بما يعاملها أهلوها قوله عليه السلام : أما بعد فإنّي أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة ، حفت بالشهوات ، وتحببت بالعاجلة ، وراقت بالقليل ، وتحلت بالآمال ، وتزينت بالغرور ، لا تدوم حبرتها ، ولا تؤتمن فجعتها ، غرّارة ضرّارة ، حائلة زائلة ، نافذة بائدة ، أكالة غوّالة ، لا تعدوا إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا بها أن تكون كما قال اللَّه تعالى سبحانه : كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ لم يكن امرء منها في حبرة إلّا أعقبته بعدها عبرة ، ولم يلق في سرائها بطنا إلّا