ولهو ، فأين يحصل - إذا - ثواب اللَّه يوم الآخرة لولا الحياة الدنيا ؟ .
هذه الحياة لها واجهتان اثنتان ، دنياً دنية هي للذين رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، ودنياً عالية هي للمطمئنة نفوسهم باللَّه ، فالدنيا لهم مدرسة ومكرسة ومزرعة للآخرة ، فالمؤمن دنياه آخرة لأنها مزرعة الآخرة ، والكافر آخرته دنيا لأن دنياه مزرءة الآخرة .
إذا فدنيا المتقين هي الحياة الأدنى دنوا إليهم ، وهي في نفس الوقت لهم حياة عالية تتلوها أخرى هي العليا ، ودنيا الطاغين هي الحياة الدنيئة إذ يخسرون فيها أنفسهم ويخسرون الآخرة وهي لهم أخزى .
ذلك ولأن النتيجة الحسنى خير من الأعمال المنتجة لها ، ف لَلدَّارُ الآْخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وخير هنا - كضابطة - أفعل تفضيل ، فلو لم تكن الحياة الدنيا لهم فضيلة لما كانت الآخرة لهم الفضلى .
فإن أهل الدنيا ركبتهم وعبّدتهم فتدللوا لسلطانها فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين ، ولكن أهل الآخرة ركبوا الدنيا وعبّدوها فتذللت لسلطانهم واستعبدت لهم فربحوا الدنيا والآخرة « 1 » : ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ( 18 : 104 ) .
فالدنيا - إذا - محظورة ومحبورة من أبصر بها بصرته ومن أبصر إليها أعمته « 2 » .
فقد يسمع الإمام علي عليه السلام رجلا يذم الدنيا فيقول له : أيها الذام للدنيا ، المغتر بغرورها ، المخدوع بأباطيلها ، أتغتر بالدنيا ثم تذمها ؟
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة 131 ح / 590
( 2 ) . هذا من كلمات الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام