حيث تحيى بإنزال الماء فتربو وتهتز ، فمن ذا الذي يربيها ويهزّها بعد خشوعها إلّا اللَّه إِنَّ الَّذِي أَحْياها لُمحْيِ الْمَوْتى وبأحرى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . فإذا كان إحياء الأرض لانتفاع الأحياء فضلا من ربك عطاء حسابا ، فإن في إحياء إنسان الأرض لانتفاعه بما قدم ، وجزاءه بما ظلم أم ظلم ، إن في ذلك لعدلا بعد فضل ، فواقع الحياة المكرورة المتتابعة للأرض الخاشعة يوقّع بأحرى واقع الواقعة ، ليْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ، خافِضَةٌ رافِعَةٌ ! وكما اللَّه ينزّل على خاشعة الأرض نازلة من ماء السماء إحياء لها للأحياء ، كذلك اللَّه ينزل على خاشعة الأبدان نازلة الأرواح من سماء الرأفة والعدالة وهو أحق وأحرى .
ألا ان أوليا الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 ) .
أنتم تقتسمون رزق اللّه إلى حرام وحلال وكأنكم آلهة مشرّعون من دون اللّه قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أن تجعلوا منه حراما وحلالا كرسل من اللّه تحملون هكذا رسالة اللّه أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ أنه هو الذي حرم هكذا وأحل ؟ .
فلأنه إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ( 12 : 40 ) فجعل رزق منه حراما أو حلالا لا بد وأن يستند إلى وحي بوسيط أم دون وسيط ، أم فرية على اللّه أنه حرم أو أحل ، وأما أن تحرّموا أو تحلوا مصلحيا محادّين اللّه فهو خارج عن دور التشريع ، ولم يكن المشركون يدعون أنهم هم المشرعون .