وكانت مواهبه شبيهة بالمائدة الغريبة الألوان : فكان شاعرا وكان كاتبا وكان نحويا ، وكان فقيها ، وكان فارسا ، وكان سياسيا ، كان يجمع بين الحلاوة والمرارة ، والجد والهزل ، والقلب والعقل .
ومثل هذه الشخصية القوية لا ينظر إليها رجل مثلي بغير العطف والاعجاب .
فمن شاء منكم أن يقضي حق الشباب فأنا حارسه وراعيه ، ولكن على شرط أن يقيم البراهين على أنه رجل عظيم يضر وينفع ، ويبرم وينقض ، ولا يبيت إلا وهو مثقل بهموم الرجال .
تلاميذي الأعزاء : احترسوا ، ثم احترسوا ، فما توغلت في هذه الدراسات الوجدانية لا حوّلكم إلى قوم بكائين ، وإنما قضى واجب الدرس أن نفهم شاعرنا حق الفهم فننظر كيف كان يدرك ما في الوجود من ألوان .
وما جاز له لا يجوز لكم في كل حين .
وليتكم تغنمون لأنفسكم ما غنم لنفسه من القوة والجبروت ، فقد طاب له أن يلهو ويلعب ، ومع ذلك لم يفارق دنياه إلا بعد أن هذّب ألوفا من التلاميذ ، وبعد أن ترك ثروة شعرية وأدبية وفقهية تعزّ على من رامها وتطول .
تلاميذي الأعزاء ستحيون بإذن اللَّه حتى تشيب نواصيكم ، وستكون لكم في سبيل المجد وثبات صوادق ، وسيذكر العراق أن أبناءه لم يخذلوه ، وانهم استطابوا في سبيله كل عذاب ، حتى الحرمان من نعيم الشباب .
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 193
مساهمون: زكي مبارك
ص١٩٣