تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عبقرية الشريف الرضي — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥

وربما جاز أن نحكم بأنه لم ير الخمر رأي العين . وهذا الحكم يبدو غريبا ، ولكن يسهل تصوره حين نذكركم بابن الفارض الذي شغل الناس بقصائده الخمريات ، فمدينة القاهرة لعهد ابن الفارض لم تكن تعرف الخمر ، والبيئة التي نشأ بها ابن الفارض لم تكن تعرف إلا أن الخمر شراب حرام ، ومع ذلك وصفها الشاعر وأجاد الوصف كما اتفق لأحد الشعراء العميان أن يجيد وصف الحروب . وقد رأيت في بغداد ناسا يعرفون تخطيط القاهرة ولم يروها ، وإنما تمثلوا خططها بالسماع عن طريق الجرائد والمجلات ( 1 ) . وما أنكر أن العراق يكاد يكون أقدم شعب عرف الخمر في التاريخ ، ولكن الخمر كانت مع ذلك متاعا يجهله الجمهور في العراق ، وإسراف أبي نواس في وصف الخمر هو الشاهد على أنها كانت قليلة الوجود ، ولولا قلتها لما أمكن أن يتهالك عليها كل ذلك التهالك وأن يفتن بها ذلك الفتون وفرنسا التي تشرب الخمر في كل وقت ولا يكاد أهلها يعرفون طعم الماء ، فرنسا هذه لم ينبغ فيها شاعر يصف الخمر على نحو ما نبغ أبو نواس ، وكان ذلك لأن الناس يقل غرامهم بما يملكون . فان كنتم في ريب من ذلك فانظروا قول السريّ الرفّاء شاعر الموصل وهو الذي يقول في استهداء النبيذ : يا من أنامله كالعارض الساري * وفعله أبدا عار من العار أما ترى الثلج قد خاطت أنامله * ثوبا يزرّ على الدنيا بأزرار

هامش
( 1 ) استغرب أحد العلماء هذا الحكم وقال : ( أنا أؤكد أن ابن الفارض كان يعصر الخمر بيديه ) وربما كان هذا العالم اعرف مني بأساليب القوم الصالحين . ولعل الأستاذ محمد بهجة الأثري يحكم بيني وبين ذلك العالم المفضال .