وقد فهمت من جملة حاله أنه كان يشكو مرضا يكتمه عن الأطباء ، ولذلك شواهد كثيرة في شعره نكتمها عنكم ، وبسبب ذلك المرض المكتوم لم يعش نصف ما عاش أبوه ، وقد حملته تلك العلة على بغض العيش ، وهذه القطعة تمثل إحساسه بما كان يعانيه ، وقد كان مع ذلك قليل البخت فلم يجد من يتوجع على بلواه ، ولو فكرتم لرأيتم أنه طاف حول المعاني التي فصّلها ناظم « سفر أيوب » ولكن ناظم « سفر أيوب » وجد من ينصفه بعد مئات السنين ، وجد الشاعر الفرنسي العظيم « لا مرتين » الذي كتب عن « سفر أيوب » كتابا وجدانيا حملني وأنا طالب في باريس على أن أبيع ساعتي وطائفة من ثيابي لأشتري نسخة أنيقة من التوراة .
أراكم تستغربون هذا الحديث لا بأس ، فهو واللَّه غريب ، فمن أدب هذا الزمان أن ننسى ماضينا وأن نصرح بأن الأدب الحق لا يكون إلا عند اللاتينيين والسكسونيين والجرمان .
ارجعوا إلى هذه القطعة مرة أو مرتين أو مرات ، ثم انظروا كيف بكى شاعرنا مصير الانسانية ، وكيف توجع لمصير الرجال .
انظروا إلى هذين البيتين :
عقيب شباب المرء شيب يخصه * إذا طال عمر أو فناء يعمه
طليعة شيب بعدها فيلق الردى * برأسي له نقع وبالقلب كلمه
انظروا إلى هذين البيتين ثم اسألوا أنفسكم كيف جمع مصاير الرجال في بيتين ، وكيف لوّن هذه الصورة تلوينا أخاذا تنفطر له القلوب القاسية وتنزعج منه راجحات العقول .
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 183
مساهمون: زكي مبارك
ص١٨٣