تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عبقرية الشريف الرضي — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
وقد فهمت من جملة حاله أنه كان يشكو مرضا يكتمه عن الأطباء ، ولذلك شواهد كثيرة في شعره نكتمها عنكم ، وبسبب ذلك المرض المكتوم لم يعش نصف ما عاش أبوه ، وقد حملته تلك العلة على بغض العيش ، وهذه القطعة تمثل إحساسه بما كان يعانيه ، وقد كان مع ذلك قليل البخت فلم يجد من يتوجع على بلواه ، ولو فكرتم لرأيتم أنه طاف حول المعاني التي فصّلها ناظم « سفر أيوب » ولكن ناظم « سفر أيوب » وجد من ينصفه بعد مئات السنين ، وجد الشاعر الفرنسي العظيم « لا مرتين » الذي كتب عن « سفر أيوب » كتابا وجدانيا حملني وأنا طالب في باريس على أن أبيع ساعتي وطائفة من ثيابي لأشتري نسخة أنيقة من التوراة . أراكم تستغربون هذا الحديث لا بأس ، فهو واللَّه غريب ، فمن أدب هذا الزمان أن ننسى ماضينا وأن نصرح بأن الأدب الحق لا يكون إلا عند اللاتينيين والسكسونيين والجرمان . ارجعوا إلى هذه القطعة مرة أو مرتين أو مرات ، ثم انظروا كيف بكى شاعرنا مصير الانسانية ، وكيف توجع لمصير الرجال . انظروا إلى هذين البيتين : عقيب شباب المرء شيب يخصه * إذا طال عمر أو فناء يعمه طليعة شيب بعدها فيلق الردى * برأسي له نقع وبالقلب كلمه انظروا إلى هذين البيتين ثم اسألوا أنفسكم كيف جمع مصاير الرجال في بيتين ، وكيف لوّن هذه الصورة تلوينا أخاذا تنفطر له القلوب القاسية وتنزعج منه راجحات العقول .