وهذا بيت قليل الأمثال ، وهو يصور جزع الشريف على صباه ، وهل هناك صورة تحزن وتوجع كصورة الصل وهو يطرق بالرمل إطراق المساكين لأن الشيخوخة أسقطت ما كان يملك من أنياب حداد
مسالما يأمن الاقران عدوته * ملقى الحنية عرّى متنها الوتر
وهل رأى الراؤن أذل من القوس وهي معرّاة من الوتر .
ثم ماذا ثم يرى الشريف أنه أمسى :
كالفرع ساقط ما يعلوه من ورق * والجفن أفرد عنه الصارم الذكر
فهل تحسون جزع الغصن حين يسقط عنه الورق لقد أحسست هذا المعنى منذ أعوام قبل أن يقول بعض العلماء باحساس النبات . وهل تحسون جزع الغمد على فراق السيف أرجو أن لا يطويكم الموت قبل أن تدركوا هذه المعاني ، فما أحب لأحدكم أن يلقى اللَّه إلا وهو من الأذكياء .
ثم ماذا ثم يبكي شاعرنا فيقول :
إن اشهد القوم لا اعلم نجّيهمو * ماذا قضوا ويجمجم دوني الخبر
وهذا البيت مزعج ، وهو يردني إلى حادثة لن أنساها طول حياتي ، يوم رأيت أبناء عمي يطوون بعض الأخبار عن أبي ، فمضيت أتوجع في مقال نشرته بجريدة البلاغ ، ثم وقعت مخاوفي مع الأسف القتّال فمات أبي بعد أسابيع : رحمك اللَّه يا أبي ، وطيّب مثواك ثم ماذا ثم يقول الشريف :
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 180
مساهمون: زكي مبارك
ص١٨٠