الموت إلى موقف الشيب ، وصح له أن يقول :
يا عذوليّ قد غضضت جماحي * فاذهبا حيث شئتما بزمامي
وإلى أين يذهب العاذلان بزمام الشاعر الأشيب إلى أين إلى المساجد ولكن الشاعر كان يتقرب إلى ربه وهو شاب بالتأمل في ملكوت النحور والثغور والخدود والعيون ، واليوم يتقرب إلى ربه بالعظة والاعتبار فيكبر ويسبح كلما رأى جنازة في الطريق ويرى الشاعر أن لا مجال لبرد البطالة وبرد الفتك بعد أن لبس عمامة الشيب ، وكيف يفتك أو يصول بعد أن خمدت نزوة الشباب وحال الهم بين حشاه وبين الغرام ويذكر أنهم غالطوه فزعموا أن الشيب جلاء الحسام فيصرخ كما صرخ من قبله مئات الشعراء :
أيها الصبح زل ذميما فما أظلم * يومي من بعد ذاك الظلام
أرمدت شمسك المنيرة فوديّ * فمن لي بظل ذاك الغمام
ثم يذكر ما أجاب به من غالطوه :
قلت ما أمن من على الرأس منه * صارم الجد في يد الأيام
ولكم أن تتأملوا عبارة « صارم الجد » فهي من غرائب التعابير .
ثم يحدد مصيره فيقول :
إن ذنبي إلى الغواني بشيبي * ذنب ذئب الغضا إلى الآرام
كن يبكين قبله من وداعي * فبكاهن بعده من سلامي
وهو يصور الشيب أفظع تصوير فيرى موقفه وهو أشيب موقف الذئب من الآرام ، وكان موقفه وهو شاب موقف الذئب من الآرام أيضا ، ولكن الفرق بين الموقفين بعيد ، فقد كانت الآرام في عهد شبابه
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 185
مساهمون: زكي مبارك
ص١٨٥