اللغة العربية من القحط : قحط العواطف والقلوب ، فان اللغات لا ترقى بالثرثرة اللفظية التي يغرم بها النحويون والفقهاء ، وإنما ترقى اللغات بمن يبدعون في وصف المشاعر والأحاسيس ، ولكم أن تذكروا كيف ارتقت الإنجليزية بأمثال شلي وبيرون ، وكيف ارتقت الفرنسية بأمثال ميسيه ولا مرتين .
وهل عاشت العبرانية وقد تقوض ملكها منذ أزمان وأزمان إلا بفضل اللوعة المبثوثة في سفر أيوب ولو أن اللغة العبرانية وقفت عندما يحسن اليهود في الميادين الاقتصادية لأدركها الموت منذ مئات السنين ، ولكنها مضت تشرح آلام اليهود ، ومآتمهم ومآسيهم وأحزانهم وأشجانهم فعاشت على وجه الزمان .
إنما ألح في شرح هذا المعنى وألح فرارا من شر المتزمتين ، فقد يقولون : لقد رأت بغداد أديبا يزيّن اللهو والمجون .
وما أنا بلاه ولا عابث ولا ماجن ، وإنما أنا رجل يبكي مصير لغته بين اللغات ، ويؤذيه أن تصبح لغته جافة جامدة غبية بليدة لا تتكلم عن غير أسعار القطن وأسعار الحبوب ، ولا تروج إلا بحرب الهجاء في الجرائد والمجلات .
أريد أيها السادة أن تتعبوا قليلا في إنهاض لغتكم ، وهي لن تنهض إلا يوم تصبح قيثارة تعبر عن المآسي الانسانية ، وأخطر المآسي هي مآسي القلوب ، ولن تصلوا إلى هذه الغاية إلا يوم تدوسون النفاق بأقدامكم كما داسه عمر الخيام الذي خلق للغة الفارسية ألوفا وملايين من الأنصار والمعجبين .
لست بلاه ، أيها السادة ، ولست بماجن ولا عابث ، كما قد يتوهم من
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 168
مساهمون: زكي مبارك
ص١٦٨