ما ظنكم بشاب حاد الشباب عنيفه ، كما عبر الدكتور طه حسين وهو يصف بعض الشبان ، ما ظنكم بشاب هذا حاله يتلفت فيرى دنيا العافية تهجره وتجفوه بلا ذنب ولا جريرة ، فيوقن أن دنيا المحبين إلى زوال ما ظنكم بشاعر يؤمن بأن اللَّه لم يخلق أجمل من الشباب ، ولم يبدع أنضر من الحب ، ثم ينظر مرتاعا إلى مصيره في الشباب ومصيره في الحب ما ظنكم بشاعر يعيش عزيزا بين الملاح ، ثم يعترف بالذل والضيم حين يرى في فوديه طلائع البياض والبياض يعشق في كل موضع إلا في الرأس ، البياض يعشق في الخدود والصدور والمعاصم والمباسم ولكنه في الشعر بغيض ممجوج .
البياض في الزهر بشير الانس والابتهاج ، ولكنه في الشعر نذير الحزن والاكتئاب .
ولن أنسى ما حييت تلك اللوعة التي سمعتها من المسيو ما سينيوس في باريس سنة 1929 وكنا نقرأ بعض الأشعار الغرامية فتنهد وقال : لقد فارقت شبابي فقلت : لا تجزع ، فان الشاعر العربي يقول :
يقولون هل بعد الثلاثين ملعب * فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب
لقد جلّ خطب الشيب إن كان كلما * بدت شيبة يعرى من اللهو مركب
فتنهد مرة ثانية وقال : إن الشاعر قال الثلاثين ولم يقل الخمسين وسأعيش دهري كله أتحسر على مصاير من عرفت من الرجال في
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 166
مساهمون: زكي مبارك
ص١٦٦