باريس ، الرجال الذين رأيتهم يبالغون في التلطف مع النساء ، وما أتعس الرجل الذي لا تبقي له الأيام من مزية غير التلطف والترفق في معاملة الملاح أيها السادة أتحسبونني أبكي شبابي وهل عرفت نعيم الشباب ، حتى أبكي الشباب إنما أريد أن أهيّئ قلوبكم إلى إحساس الفجيعة التي سيتوجع منها الشريف ، الفجيعة القاسية التي تصور سقوط السماء على الأرض وغيض البحار وزوال الجبال أريد أن أصنع مثل الذي صنعت وأنا أتكلم عن عمر ابن أبي ربيعة بالجامعة المصرية في أواخر سنة 1918 وكنت يومئذ طالبا لا يدري عواقب ما يصنع ، فقد دعوت المستمعين إلى استقدام صباباتهم ليدركوا ما تصنع الصبابة بالشاعر اللعوب ، واليوم وأنا ألقي محاضرتي بكلية الحقوق في أوائل سنة 1938 أدعوكم إلى استقدام صباباتكم . . . أستغفر الحب ، بل أدعوكم إلى استقدام أساكم وشجاكم لتدركوا ما يصنع الحزن على الشباب بشاعر كان وهّاج الشباب .
ومعاذ الأدب أن أدعوكم إلى انتهاب ما توحى الغواية والفتون ، وإن كنت أتمنى أن يكون فيكم خلفاء لعمر بن أبي ربيعة والشريف الرضي ، فقد كان عمر على ضلاله رجلا شهما ينزه شعره عن التزلف ، ويترفع عن مدح الخلفاء ، في زمن كان شعراؤه عبيد الخلفاء ، وكان الشريف الرضي على غرامه الأثيم - إن كان في الغرام إثم - رجلا شهما يحسب له في مصاير الأمور ألف حساب ، ولم يمت إلا وهو مهيب جليل .
فان عجزتم عن اللحاق بهذين الشاعرين فلا أقل من أن تدركوا ما يهدد
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 167
مساهمون: زكي مبارك
ص١٦٧