تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عبقرية الشريف الرضي — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
لا تطلبنّ لي الأبدال بعدهم * فان قلبي لا يرضى بغيرهم والحسرات في هذه القصيدة حسرات شاعر ، وهي أقوى من حسرات Andre Chenier على الجدائل المتموّجة ، والاقدام العارية . وصورة الشاعر مع محبوبته فوق الرمل وبين وشاية الطيب والبرق ، وفي هداية الثغر البراق ، وفي حراسة العفاف ، صورة جذابة جدا ، وصورة التوديع الذي عاناه بعد ذلك أرق وأظرف ، وأسف الشاعر على تلك الليلة يذيب القلوب . والفتوة في صدر الشريف هي التي أنطقته بهذه المعاني ، فمن المؤكد أن الدنيا لعهده لم تكن تخلو من أغبياء يصعب عليهم أن يدركوا كيف يصح العفاف لمن يبيتان ضجيعين ، هو رجل خلق للشعر والخيال لا يصلح للنجاح في المعترك السياسي ، ولكنه يؤدي لوطنه وقومه خدمات يعجز عنها السياسيون ، لأنه يخلق ثقافة الذوق ، ويروض النفوس على الأريحية ، ويغرس فيها الشوق إلى حب الحياة . ومن الواضح أن حجازيات الشريف لا تصلح دستورا للحجاج ، فقد يجب أن تكون لهم شواغل غير التطلع إلى النحور والمباسم والعيون ، ولكن هل يدّعي الشاعر أنه يضع الشرائع للناس وهل للشاعر شريعة واضحة الرسوم حتى يفكر في سنّ الشرائع إن الشعراء كالأنهار يحلو لهم الاعوجاج ، أما ترون نهر دجلة يمضي يمنة ثم يرجع يسرة أما ترون نهر السين كيف يسير على غير هدى وبفضل ذلك الاعوجاج حسنت مواقع المدائن التي تقوم على شواطئ الأنهار والبحار ، ولو كان شاطئ البحر الذي تقوم عليه مدينة الإسكندرية يعرف الاعتدال لكان من المستحيل أن تظفر الإسكندرية