على فعل المعصية ثانياً أو الاستمرار عليها ، وأن من مصاديقه العرفيّة ترك التوبة ، حيث يصدق على من ترك التوبة أنه أصرَّ على المعصية الصغيرة الأولى لا بفعلها ثانياً أو الاستمرار عليها ، بل بارتكاب معصية تتعلّق بها ، وهو ترك التوبة عنها ، فإنه بناءً على الوجوب الشرعي يصدق الإصرار على المعصية الصغيرة بارتكاب معصية مرتبطة بها ، بخلاف ما لو قلنا بالوجوب العقلي .
ويرد على الشق الثاني : أن ارتكاب الصغيرة كارتكاب الكبيرة يستتبع الفسق والانحراف وينافي العدالة ؛ فإن الفسق كما يفهم من تفسير العدالة هو الخروج عن زي العبوديّة والانحراف عن جادّة الشرع ، نعم لو قلنا بأن العدالة ملكة أو أنها الاستقامة النفسيّة فلا يعود صدور الصغيرة موجباً لارتفاع ملكة العدالة .
المبحث الثالث : فوريَّة وجوب التوبة
حكى الشيخ البهائي ( قدس سره ) عن الأصحاب لزوم فوريّة التوبة قائلًا : " وأما فوريّة الوجوب فقد صرَّح بها المعتزلة ، وقالوا : يلزم بتأخيرها ساعةً إثمٌ آخرُ تجب التوبة منه أيضاً ، حتى أن من أخَّرَ التوبة عن الكبيرة ساعةً واحدة فقد فعل كبيرتين ، وساعتين أربعَ كبائر ، الأوليان وترك التوبة عن كل منهما ، وثلاثَ ساعات ثمان كبائر ، وهكذا . وأصحابنا يوافقونهم على وجوب الفوريّة ، لكنّهم لم يذكروا هذا التفصيل فيما رأيته من كتبهم الكلاميّة " « 1 » ، فلا بد من إيقاع البحث في مستمسك الفوريّة ، فنقول : إنه لم يقم دليل عليها من الكتاب والسنّة ؛ إذ ليس فيهما سوى الأمر بالتوبة ، والأمر بمجرده لا يفيد الفور ولا التراخي كما حقّق في الأصول ، كما أن مقتضى الأصل العملي عدم الفوريّة ، والإجماع على الفوريّة -
هامش
( 1 ) كتاب ( الأربعون حديثاً ) : 460 - 461 .