ويتوجّه على هذين الوجهين ما تقدّم من أنه إذا لم ينتهِ المدّعى وجوبه عقلًا إلى قضية حسن العدل أو قبح الظلم فلا يجب عقلًا بملاك التحسين والتقبيح العقليين ، على أن الوجه الثالث لا يرجع إلى معنى محصَّل بناءً على أن معنى التوبة هو الندم ، وقد تقدّم .
الوجه الخامس : ما ذكره ( قدس سره ) أيضاً من حكم العقل بلزوم درك المصالح الملزمة
وعدم جواز تفويتها ولزوم حفظ النفس عن الوقوع في المفاسد ؛ فإن العاصي إمّا أن يترك واجباً فيفوت عنه مصلحة ذلك الواجب ، وإمّا أن يرتكب حراماً فيقع في مفسدة ذلك الحرام ، والتوبة مرجعها إلى عدم ترك الواجب ، فلا يفوِّت عنه مصلحةً ملزمة ، أو إلى ترك الحرام ، فلا يقع في مفسدة ، وكلاهما ممّا يحكم العقل بلزومهما ، فينتج أنّ التوبة لازمة بحكم العقل « 1 » .
ويلاحظ على هذا الوجه بأنّه يرجع إلى الوجه الأول القاضي بلزوم دفع الضرر الأخروي المحتمل ، وليس أمراً وراء ذلك ، وقد عرفت ما فيه .
الوجه السادس : ما ساقه أحد الأعلام ( قدس سره )
واستظهرَ الاستدلال به دون الوجهين الأول والثالث ، من أن الواجب العقلي هو ما يتوقف عليه الوصول إلى سعادة الأبد التي خلق الإنسان لأجلها ، ولا سعادة إلا في لقاء اللّه تعالى والأنس به ، ولا يبعِّد عنه إلا اتِّباع الشهوات والأنس بالدنيا والإكباب عليها ، فالانصراف عن طريق البعد واجبٌ متحتِّم للوصول إلى السعادة التي خُلِق لأجلها ، وهذا الانصراف لا يتم إلا بالتوبة ، فتكون واجبة « 2 » .
هامش
( 1 ) القواعد الفقهيّة للسيّد البجنوردي ( قدس سره ) 336 : 7 .
( 2 ) مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى للشيخ محمّد تقي الآملي ( قدس سره ) 325 : 5 .