تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد ) — صفحة 1971

مساهمون:

ص١٩٧١
الإنساني لا يكتمل إلّا بالسياسة ، أي بالنظام الذي يدبّر العلاقات بين الناس ويفصل في خلافاتهم ، ويحدّد حقوق كل واحد منهم وواجباته . من هنا كانت الحاجة إلى « الوازع » الاجتماعي . ويرفض ابن خلدون هنا الآراء القائلة بوجوب وجود وازع أخلاقي أو ديني ، وأن تكون السلطة مبنيّة على ضرورة وجود نبوّة . ودليله على ذلك هو أن أمما كثيرة استبحر عمرانها وعلا شأنها ، ولم يكن فيها « نبوّة » ، وإنما استتبّ فيها ذلك بقوّة السلطان عند الملك ، أو بقوّة العصبية التي يقتدر بها على قهرهم . فالاجتماع عند ابن خلدون أمر ضروري وطبيعي ، كما أن وجود « الوازع » أو ما نسمّيه « السلطة » هو أيضا ضروري ؛ وهذه السلطة تكون ذات طابع وضعي لا نحتاج منه إلى وجود شرع أو دين منظّم . إن الواقع الاجتماعي ليس نوعا من الاتفاق الواعي والموثق يضعه الناس فيما بينهم ويصطلحون عليه إراديّا ، بل هو أمر طبيعي غير مصطنع ، وبالتالي فإن الحاجات المتنوّعة هي حاجات فطرية طبيعية ينبثق منها ضرورة الواقع الاجتماعي بكل مظاهره الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، كالعادات والتقاليد ووجوه المعاش ، والمؤسّسات السياسية كالملك والسلطان وغيرها . إن هذه المؤسّسات لا بدّ من ظهورها في كل مجتمع ، بصرف النظر عن إرادة الناس واختيارها ؛ فهذه أمور طبيعية وضرورية في آن . وهكذا يتبدّى لنا أن ابن خلدون جعل من الواقع الاجتماعي ( العمران ) ظاهرة طبيعية تخضع في دراستها لشروط الظاهرة العلمية
( Fait scientifique )
من حيث تطبيق مبدأ السببيّة عليها . فالظاهرة الاجتماعية عند ابن خلدون تكفي نفسها بنفسها من غير حاجة إلى إضافة عناصر جديدة إليها من خارج . يفسّر ابن خلدون سبب تنوّع العمران ، بالرغم من وحدة الدوافع الأساسيّة إلى الاجتماع البشري وتشابه أهدافه ، فيرجع ذلك إلى عوامل طبيعية ( إقليم - مناخ - تربة ) ، وعوامل بشرية واجتماعية وسياسية وتاريخية واقتصادية . فإلى جانب العوامل الطبيعية والتي هي الأهمّ ، هناك عامل تحصيل الرزق ، أو ما أسماه « وجوه المعاش » حيث إن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنّما يتمّ باختلاف نحلتهم من المعاش ، فإنّ اجتماعهم إنما هو لتحصيله . ليس الناس هم الذين يختارون نوع اجتماعهم ، بل الطبيعة وعوامل أخرى متعدّدة هي التي تحدّد طبيعة العمران والذي ينقسم إلى نوعين كبيرين : العمران البدوي والعمران الحضري . وقد عرّف ابن خلدون هذين العمرانين من خلال مختلف العوامل لا سيّما الاقتصادية ، وحلّل تطوّرهما من خلال الظواهر الاقتصادية حيث ننتقل من عمران بدوي ( ضروريات الحياة ) إلى عمران حضري قائم على الترف والرفاهية ، كل ذلك يتمّ بتطوّر طبيعي غائي يصيب الحياة الاجتماعية ويطبعها .