يتجه الشعور الإلهي نحو الإنسان بفعل الكلام . . . علم الكلام إذن خارج عن قصد اللّه بل هو مضاد له . فبدلا من أن يفكّر الإنسان في نفسه تشبها باللّه لأن اللّه يفكّر في الإنسان بدليل إرسال الوحي ، فكّر المتكلّم في اللّه وهو ما لم يفعله اللّه لأن اللّه لم يجعل نفسه موضوعا لعلمه . وإذا تحدث عن نفسه في الوحي فإنما يتحدّث للإنسان ولصالح الإنسان وتأكيدا لقيم الإنسان وبصور الإنسان ولغته وفهمه وقدراته . . . علم الكلام إذن علم مقلوب ، رأسه إلى أسفل ، وقدماه إلى أعلى ، فبدلا من أن يتطابق مع قصد اللّه وموضوع كلامه ووحيه وعلمه ويتّجه نحو الإنسان عارض هذا المقصد والكلام والوحي والعلم واتّجه نحو اللّه بحركة عكسية مضادة . وباستعمال صورة مجازية إذا كان الوحي مقصدا « نازلا » نحو الإنسان فإن علم الكلام قد قلب الوضع وجعله مقصدا « صاعدا » نحو اللّه . ( حسن حنفي ، العقيدة والثورة 2 ، 556 ، 15 ) .
* تعليق
* في علم الكلام
- عرّفه التهانوي في كتابه كشاف اصطلاحات الفنون بالقول : « علم الكلام ويسمّى بأصول الدين أيضا . . . ويسمّى بعلم النظر والاستدلال أيضا ، ويسمّى بعلم التوحيد والصفات » . وعند التفتازاني هو « العلم المتعلّق بالأحكام الفرعيّة أي العملية ، يسمّى علم الشرائع والأحكام ؛ وبالأحكام الأصلية أي الاعتقادية ، يسمّى علم التوحيد والصفات ؛ وهو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير بإيراد الحجج ودفع الشبه » .
موضوع علم الكلام يقوم على إثبات العقائد الدينية ، وقالت طائفة من المسلمين ، إنه البحث في الموجود بما هو موجود ، أي من حيث هو غير مقيّد بشيء . وهذا قول الغزالي ، الذي يميّز الكلام الإنساني عن الإلهي باعتبار أن البحث يدور فيه على قانون الإسلام لا على قانون العقل . وغاية علم الكلام عند الغزالي الترقّي من حضيض التقليد إلى ذروة الإيقان .
أما مسائل علم الكلام ، فهي تتضمّن كل حكم نظري لمعلوم من العقائد الدينية ، أو يتوقّف عليه إثبات شيء منها .
أمّا وجه تسميته بعلم الكلام ، فإنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات ، أو لأن أبوابه عنونت أولا بالكلام في كذا ، أو لأن مسألة الكلام أشهر أجزائه حتى كثر فيه التقابل ( على ما يقوله عبد الرحمن بدوي في كتابه مذاهب الإسلاميين ) . وهنا يطرح السؤال : هل علم الكلام هو علم للدفاع عن العقيدة الدينية أو لإثباتها ابتداء ؟ هل هو علم يدافع به عن عقيدة أهل السنّة والجماعة فقط على ما يقوله الغزالي في المنقذ من الضلال ؟
أو أنه يشمل كل العقائد المتعلّقة بأصول الدين ؟
هل هناك حاجة إلى علم الكلام لإثبات العقائد الدينية ، وبماذا يختلف علم الكلام عن علم الإلهيات إذا ؟ يبدو أن علم الكلام يفارق علم الإلهيات بأنه يأخذ العقائد عن