لديهم الأسباب التي تعدّه للتعمّق فيها . وأقلّ تلك الأسباب أنهم مع ذكائهم الفطري ، ونشاطهم العلمي ، كانوا مولعين بما عند اليونان من فلسفة وعلم ، وقد كانت كتب اليونان التي انكبّوا على ترجمتها ودرسها كافية في أن تغريهم بعلم السياسة وتحبّبه إليهم ، فإن ذلك العلم قديم ، وقد شغل كثيرا من قدماء الفلاسفة اليونانيين وكان له في فلسفة اليونان ، بل في حياتهم ، شأن خطير .
وهناك سبب آخر أهمّ . ذلك أن مقام الخلافة الإسلامية كان منذ الخليفة الأول ، أبي بكر الصديق ، رضي اللّه تعالى عنه ، إلى يومنا هذا ، عرضة للخارجين عليه المنكرين له ، ولا يكاد التاريخ الإسلامي يعرف خليفة إلّا عليه خارج ، ولا جيلا من الأجيال مضى دون أن يشاهد مصرعا من مصارع الخلفاء .
( علي عبد الرازق ، الإسلام وأصول الحكم ، 127 ، 7 ) .
- علم السياسة والفلسفة السياسية : الأول يبحث الظاهرة السياسية ، أي ظاهرة القدرة في العلاقات الإنسانية بحثا منهجيّا موضوعيّا ، شاملا كل ما تنطوي عليه الظاهرة من عناصر خلقية أو غير خلقية . فهو ، بمعنى آخر ، دراسة السياسة كما هي ، بجمالها وقبحها ، بعقلانيتها وعنفها ، بسلمها وحربها . أما الفلسفة السياسية فإنها بحث في السياسة كما يجب أن تكون . فالفيلسوف السياسي ينطلق من نتائج البحث السياسي ، العلمي الاستقرائي ويتجاوزها إلى بناء مدينته الفاضلة أو إلى وضع مبادئ التنظيم السياسي التي يفضّلها على غيرها ، أو بحث غايات السياسية التي ينبغي على الناس أن يلتزموا بها . وهنا يلتقي الفكر السياسي بالفكر الخلقي ، وهو التقاء قديم جديد : قديم لأن جميع الثقافات التي نستقي منها اليوم معارفنا السياسية ، كالثقافة اليونانية أو الهندية أو العربية أو الأوروبية الوسطوية لم تميّز تميّزا واضحا بين علم الأخلاق وعلم السياسة .
وأرسطو نفسه اعتبر كتابيه في الأخلاقيات والسياسيات جزءين من كتاب واحد . وهو التقاء جديد ، لأننا اليوم بالرغم من حرصنا على المنهجية العلمية السياسية وعلى استقلال علم السياسة ، لا نستطيع أن نفصل بين الفكر السياسي والفكر الإيديولوجي فصلا تامّا ، أي إننا لا نستطيع أن نتفادى في أيّة حال تقييم وسائل السياسة وغاياتها تقييما خلقيّا أو فلسفيّا . ( حسن صعب ، تحديث العقل العربي ، 225 ، 6 ) .
* في الفكر النقدي
- إن علم السياسة هو نفسه علم تغيير الواقع الاجتماعي ، وإن هذا الواقع الاجتماعي ليس من الأشباح الهائمة في ضوء القمر ، بل هو أنت وهم وهن الواقع الاجتماعي ، هو إسماعيل وإبراهيم وزينب وفاطمة . وإذن فلكي يتغيّر الواقع الاجتماعي فلا بدّ أن يتغيّر هؤلاء ، أن يتغيّروا من جهل إلى معرفة ، ومن مسغبة إلى يسر ، ومن خمول إلى نشاط ، ومن غيبوبة إلى وعي ، والسياسة هي أن نصنع لهم هذا التغيير وأن نجعلهم يصنعونه لأنفسهم . ( زكي نجيب محمود ، مجتمع جديد ، 85 ، 18 ) .