* تعليق
* في التاريخ
- يتناول علم التاريخ عند العرب مسألتين عنهما نشأ وإليهما استند . المسألة الأولى دينية تتعلّق بحفظ تراث الدين عن طريق حفظ سيرة الرسول وأعماله ؛ والمسألة الثانية وضعية اجتماعية تتعلّق بماضي القبائل والعشائر العربية من خلال حروبها ومن خلال حفظ أنسابها ، كذلك ومن خلال حفظ تراثها الشعري واللغوي . وقد طغت عليه بداية منهجيّة السرد والإخبار . فالفكر الإسلامي فكر خبري تبليغي ، لذلك جاء العلم الذي يحفظه ويدوّنه مستندا إلى مجرّد سرد وأخبار .
في هذا الإطار جاءت الحاجة الشرعية إلى علم التاريخ إذ عبره ستنقل إلينا الأحكام العقدية والمسائل الفقهية . وبذلك اعتبر علم التاريخ عند البعض من فروض الكفاية في الإسلام . هذه هي الصيغة الأولى والأساسية التي تمظهر فيها علم التاريخ عند العرب ، وفي مطلع صدر الإسلام والعصور التي تلته .
وإلى المعنى نفسه ذهب آخرون إلى اعتبار وجود حاجات عملية تدخل ضمن الجوّ الثقافي السائد والذي تناول مسألة تفسير القرآن والحديث ، وبعضها تناول مسألة الدولة في شؤونها السياسية والاقتصادية وبنظام الإدارة فيها . فالتاريخ هو المصدر الوحيد الذي يعطينا المعلومات في هذا الإطار ، ولا يمكن أن نجد الأجوبة على الأسئلة المطروحة في المسائل السابقة إلّا ضمنه . إنه الرافعة الأساسية للثقافة الإسلامية المتمثّلة بحفظ تراث العلوم الإسلامية المتعدّدة من أصول وكلام وفقه ، وسير وغيرها . إن ظهور الإسلام وقيام إمبراطورية إسلامية رعيا التعدّد الثقافي ودفق الآراء والتيّارات الحضارية المختلفة ( أيام العباسيين خصوصا ) ، ورعيا أيضا تطوّر الأمّة وخبراتها في هذا المجال ، عوامل جعلت من الكتابة التاريخية ضرورة لوضع هذه المكتسبات وحفظها .
هذه الرعاية الدينية لمفهوم علم التاريخ عند العرب ، قابلها من جهة ثانية مفهوم آخر لم يعر كل هذه العوامل أهمية كبرى في صياغته ، مع إقراره بما يتضمّنه التاريخ من سرد لأصول العلوم والآداب ، وأخبار التراجم والرجال وسيرة الرسول والصحابة ؛ لكنه جاء ينتقد منهجية « الإسناد » . يعني ذلك ضمنا نقد هذا التوجّه للسرد التاريخي المستند على هذه المنهجية . ولعلّ ابن خلدون هو من بدأ برفع مسألة التاريخ إلى المستوى النظري الذي يتحدّد به علما وضعيّا ، قائما على أسس وقواعد نسبية وثابتة تلزم عنها حتميات محدّدة .
التاريخ عند ابن خلدون هو علم الحوادث البشرية ، وبذلك يتعيّن موضوعه بالعمران البشري ، وتتجسّد منهجيته بقواعد هذا العمران . والمسألة الأساسية الجديدة لديه هو أنه يرفض تبرير مسألة الإسناد ، ويرفض صراحة أيّ تفسير بالعلل الغائية ، فيعطي بذلك للتاريخ استقلالا تامّا عن النفع الديني . لقد أخرجه أيضا من دائرة التقديس الإلهي ، ومن وضعه لدى المؤرّخين وبعض