الفقيه التيولوجي المكلّف بتوضيح الأحكام الشرعية . راح هذا العلم يدعم ويقوّي ويضاعف من انتشار العمل الموجّه للنصوص المقدّسة ( القرآن + الحديث النبوي ) ، التي راحت بدورها تهيمن على وعي وتفكير وخيال وسلوك كل فرد من أفراد الأمّة . لقد ساهم علم أصول الفقه خصوصا في دعم الفكرة القائلة بأن المجتمع لا يحسم بنفسه أي شيء من الأشياء المتعلّقة بوعي وسلوك الأفراد ، وأن التاريخ الحاصل خارج « الحدود المثبتة من قبل اللّه » يؤدّي إلى انحطاط المجتمع ( المدنية ) الأولي الذي أسّسه النبي . وأنه من أجل إصلاح المجتمع المهدّد دائما بالانحطاط فإنه من الضروري الرجوع إلى الأشكال الأصلية المولّدة للحقائق المؤصّلة من قبل اللّه والنبي . هكذا نلاحظ أن الموقف الإصلاحي لا يزال مستمرّا وفاعلا في المجتمع الإسلامي مثله في ذلك مثل التأكيد على فكرة الوجود النموذجي المثالي للأمة ، هذا الوجود الذي كان قد طبّق على أرضية الواقع من قبل النبي والصحابة والمسلمين الأولين . ( أركون ، تاريخية الفكر الإسلامي ، 200 ، 3 ) .
- الواقع أن الشيء الأساسي الذي لا بدّ أن يلفت نظر الباحث الإبستيمولوجي في « علم أصول الفقه » هو أن النشاط العقلي داخله نشاط وحيد الاتجاه : يتّجه دائما من اللفظ إلى المعنى كما في علم اللغة وعلم النحو وعلم البلاغة . صحيح أن الأحكام الشرعية إنما تؤخذ من أدلّتها ، وأهمّ هذه الأدلّة وأصلها جميعا القرآن . غير أن الأصوليين انساقوا انسياقا كبيرا مع إشكالية اللغويين والنّحاة ، إشكالية اللفظ والمعنى ، فجعلوا من « الاجتهاد » اجتهادا في اللغة التي نزل بها القرآن فكانت النتيجة أن شغلتهم المسائل اللغوية عن المقاصد الشرعية ، فعمّقوا في العقل البياني ، وفي النظام المعرفي الذي يؤسّسه ، خاصيتين لازمتاه منذ البداية :
الأولى هي الانطلاق من الألفاظ إلى المعاني ومن هنا أهمية اللفظ ووزنه في التفكير البياني ، والثانية هي الاهتمام بالجزئيات على حساب الكليات ( الاهتمام باللفظ وأصنافه إلخ . . . على حساب مقاصد الشريعة ) . إنهما نفس الخاصتين اللتين كرّسهما اللغويون والنحاة في العقل البياني .
( الجابري ، بنية العقل العربي ، 63 ، 5 ) .
- أصول الفقه هي علم منطق الفقه ، هي علم الاستنباط ، ولكن علم الأصول تاريخيّا وجد بعد الفقه ، كما هو شأن مناهج البحث في غالب العلوم أو جميع العلوم . فمحاولة الاستنباط الفقهي هي التي وجدت أولا ثم صيغت المناهج الأصولية والقواعد متأثرة بالمنطق الأرسطي وبعض الآراء الفلسفية .
نحن نوافق على أن هناك ضرورة لما سمّي تجديدا ، أنا لا أحب أن أقول هو تجديد بل لنقل تطوير وتوسيع مجالات الاجتهاد ، وتطوير علم الأصول ليخدم توجها فقهيّا من هذا القبيل ، أي أن يتّسع ليستوعب مشكلات مجتمع وأمّة وعالم دخل في أوضاع تنظيمية جديدة ، وفي أوضاع مدنية حضارية جديدة أوجدت له مشكلات جديدة تستدعي التجديد والإبداع في العلوم الدينية . ( محمد مهدي شمس
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد ) — صفحة 1905
مساهمون: جيرار جهامي
ص١٩٠٥