بالنسبة لهذا العقل ، هي واحدة لا تتجزّأ ، ولا يمكن ردّها إلى أي شيء آخر أو إلى أية حقيقة أخرى . فهي فريدة من نوعها ومعصومة ومقدّسة ومصونة إلى يوم الحساب . وبالتالي فهي تستحقّ ، من منظور أصحابها ، أن يضحّى من أجلها بكل التضحيات . ولذا فإنهم يلجأون من أجلها إلى العنف المباشر ، دون أي تردّد أو تعقّل .
العنف ، التقديس ، الحقيقة : هذه هي الأركان الثلاثة التي لا تنفصم والتي يرتكز عليها الوجود المباشر للجماعة « المؤمنة » وأملها بالنجاة في الدار الآخرة . ومن المعلوم أن تحديدات هذه النجاة وأنماطها تختلف باختلاف الأنظمة الإيديولوجية ذات الهيمنة الدينية أو السياسية . ( أركون ، نقد العقل الديني ، 234 ، 21 ) .
عقل سياسيّ
* في الفكر النقدي
- بما أن « العقل السياسي » يقع بالضبط بين من يمارس السلطة السياسية أو يشرع لكيفية ممارستها وبين من تمارس عليهم ، فإنه من البديهي أننا سنصدر هنا عن نوع من التصوّر للعلاقة التي تقوم بين الفكر والواقع ، لا هكذا بإطلاق ، بل كما تقوم في مجتمع من نوع المجتمع الذي ندرس العقل السياسي فيه : المجتمع الذي لم تتطوّر الأوضاع فيه إلى مرحلة الرأسمالية . ( الجابري ، العقل السياسي العربي ، 9 ، 13 ) .
- إن العقل السياسي كممارسة وكإيديولوجيا ، وهو في الحالتين ظاهرة جمعية ، إنما يجد مرجعيته في المخيال الاجتماعي وليس في النظام المعرفي ، النظام المعرفي يحكم الفعل المعرفي . أما المخيال الاجتماعي فبما أنه منظومة من البداهات والمعايير والقيم والرموز فهو ليس ميدانا لتحصيل المعرفة بل هو مجال لاكتساب القناعات ، مجال تسود فيه حالة الإيمان والاعتقاد . ( الجابري ، العقل السياسي العربي ، 16 ، 8 ) .
- إن العقل السياسي هو قبل كل شيء « عقل » ، فهو إذن يرتبط ضرورة بنظام معرفي . ولكن بما أنه « سياسي » فهو لا يتقيّد بنظام معرفي واحد ولا بمبادئ ولا بآليات هذا النظام أو ذاك ، بل هو يمارس « السياسة » في هذا المجال فيوظّف ما يناسب قضيّته ويخدم قناعاته : يوظّف البيان ( التشبيه والاستعارة والتمثيل والتورية والقياس ) ويوظّف العرفان ( المماثلة . . . ) كما يوظّف الاستقراء والاستنتاج ، وفي نفس الوقت يعمل بمبدأ « لكل مقام مقال » ، هدفه إقناع الغير ، ومن خلال سعيه لإقناع الغير يزداد هو نفسه قناعة وإيمانا بقضيّته . وبكلمة واحدة إن آلية العقل السياسي هي « الاعتقاد » . والاعتقاد يكون ب « القلب » كما يقال عادة ، أي بحضور العاطفة . ومن هنا البطانة الوجدانية التي تلازم الخطاب السياسي ، ومن هنا تجنيد الخيال واستعمال الرمز ومخاطبة « الرأي العام » و « الجمهور » . ( الجابري ، العقل السياسي العربي ، 16 ، 17 ) .
- العقل السياسي لا يتكوّن كعقل سياسي من دون الخبرة الحسّية السياسية . غير أنه لا يتحدّد كعقل سياسي بهذه الخبرة ، لأن