لأنه يعتمد أنماطا متعدّدة من المرجعيات والسيادات الثقافية . . . عندما تقارن بين مختلف هذه العقول ، أقصد عقول المدارس الإسلامية المختلفة كعقل الصوفية ، وعقل المعتزلة ، وعقل الإسماعيلية ، وعقل الفلاسفة ، وعقل الحنابلة ، وعقل الشيعة ، إلخ . . . فإننا نرى أنها تختلف في مجموعة من المجريات والمسلّمات في لحظة الانطلاق . وعندما ننظر إلى التاريخ نجد أنها طالما اصطرعت وتنافست وتناحرت . ولكن عندما نعمّق التحليل أكثر وننظر إلى ما وراء القشرة السطحية والخلافات الظاهرية ، فإننا نجد أيضا أنّ هذه العقول تشتمل على عناصر مشتركة أساسية . وهذه العناصر المشتركة هي التي تتيح لنا أن نتحدّث عن وجود عقل إسلامي ( بالمفرد ) ، بمعنى أنه يخترق كل هذه العقول المتفرّعة ويشملها كلها . هذه العناصر المشتركة هي التالية : 1 - خضوع هذه العقول كلّها للوعي المعطى أو لمعطى الوحي
( Le donne ? re ? ve ? le ? )
. . . 2 - أمّا الخصّيصة الثانية المشتركة بينها فهي : احترام السيادة والهيبة وتقديم الطاعة لها . ماذا يعني ذلك ؟ يعني أنه يوجد أئمة مجتهدون لكل مدرسة ولكل مذهب ، وهؤلاء الأئمة المجتهدون يعتبرون بمثابة السيادات العليا التي لا تناقش ولا تردّ . . . 3 - أما الخصّيصة الثالثة المشتركة بين مختلف هذه العقول الإسلامية ( أو المذاهب الإسلامية ) فهي : أنّ العقل هنا يمارس دوره وآليته من خلال تصوّر محدّد عن العالم والكون . وهذا التصوّر خاص بالعصور الوسطى . وقد سيطر هذا التصوّر على البشرية الإسلامية والمسيحية طوال قرون وقرون : أي حتى ظهور علم الفلك الحديث
L'Astronomie ) ( moderne
. فعلم الفلك الحديث هو الذي غيّر كليّا نظرتنا وتصوّراتنا عن الكون .
( أركون ، الفكر الإسلامي ، نقد واجتهاد ، 236 ، 3 ) .
- إن العقل الإسلامي ليس إلّا صيغة ما من صيغ العقل وليس كل العقل ، أوليس العقل في المطلق كما يتوهّم المؤمنون التقليديون .
إنه ليس عقلا أبديّا أو أزليّا وإنما عقل تاريخي له نقطة تشكّل وبداية ونهاية ، مثله مثل أي عقل يتشكّل في التاريخ ( كالعقل المسيحي مثلا ) . إن العقل هو عبارة عن مغامرة ، أي : تشكيلة تاريخية تدخل التاريخ وتتحكّم به لفترة من الزمن تطول أو تقصر ثم تنتهي يوما ما . والدليل على ذلك أن العقل المسيحي انته في الغرب وحلّ محلّه العقل العلمي ، وكان أتباعه يعتقدون أنه لن ينتهي حتى نهاية الزمن . ( أركون ، نقد العقل الديني ، 52 ، 15 ) .
- العقل الإسلامي واحد من الوجهة الإبستمولوجية ، أي من حيث المسلّمات التي ينهض عليها ومن حيث القواعد المنهجية التي يستخدمها في النظر والمحاجة . وذلك على عكس ما ذهب إليه الأستاذ الجابري . فإن هذا الأخير أقام شرخا معرفيّا بين التراثين السّني والشيعي .
نعم هناك شرخ إيديولوجي وسياسي وحتى سوسيولوجي بين الطائفتين . ولكن العقل واحد عندهما من حيث آليته وطريقة اشتغاله .
وهذا ما حاول أن يكشف لنا عنه أركون في