والمبادئ الأولية التي تجعل أحكام العقل ممكنة . هنا نقع على نظرة ابستمولوجية نقدية لمستوى المعرفة الإنسانية . هذه النظرة تقرب من الرؤية النقدية عند الفيلسوف الألماني « كانط » الذي ذهب إلى تحديد الأطر والمضامين التي يمكن لعقلنا أن يعمل فيها وعليها ولا تؤدّي إلى تناقضات .
* في الفكر النقدي
- يؤيّد نصر حامد أبو زيد موقف المعتزلة وتحديدهم للعقل إن من حيث مضمونه أو وظيفته . وهو يشدّد كثيرا على الوظيفة المعرفية والأخلاقية التي نخلص عبرها إلى اعتبار أسبقية العقل على الشرع .
أما أركون فلا يرى في العقل جوهرا ثابتا ، بل هو بالنسبة إليه كائن محسوس يخضع لمسار وتراكمات التاريخ ؛ أي أن للعقل صيرورة ما ، وله تاريخيته بحيث يغدو عقل ابن خلدون مثلا مختلفا كليّا عن عقل الحسن البصري . فالعقل هو مكوّن تاريخيّ ثقافيّ معرفيّ يمرّ بظروف وبنيات متعدّدة ومتطوّرة .
ولا يبعد رأي « الجابري » في العقل عن رأي « أركون » هذا ، وهو يرى فيه نشاطا مستمرّا ولا جوهريّة ثابتة . أما مع علي حرب فإن العقل لم يعد معطى ماورائيّا نمتثل نحن لمتطلّباته ، بل هو نشاط وفاعلية ثقافية تتجسّد في الاقتدار على بناء نماذج وأنساق معرفية وعملية . إنه تكوين وتشكيل ، أي صيرورة فاعلة وخلّاقة . إنه صناعة دائمة ومستمرّة ، يتجلّى كتقنية إجرائية وفعالية نقديّة ايستمولوجيّة . وبالرغم من ذلك لا يمكن للفاعلية العقلية أن تصبح ، وحتى بالمعنى الذي ذكرناه ، سلطة تراكميّة عقائدية ، بحيث تنحو نحو النزعة اللاهوتية . إن تراكم الفاعلية الثقافية العقلية يؤدّي إلى الكشف عن كل مقوّمات الحقيقة العقلية وعن آليات حجب الحقيقة .
يذهب طه عبد الرحمن من جهته إلى اعتبار العقل فعلا لا جوهرا ، إنه فعل متميّز عن سائر الأفعال ، وفاعليته هي التي تدفع عنه الجوهريّة . أما عبد اللّه العروي فهو ينظر إلى العقل أولا من ناحية بنيوية تمسك بشروط واتساق وتماسك المادة المعقولة ؛ وثانيا من ناحية وظيفية تهتمّ بالسلوك المجسّد في فعل محقّق للفكرة المدروسة . على العقل الأول أطلقت تسمية العقل المطلق ، وعلى الثاني عقل الواقعات .
عقل أخلاقيّ
* في الفكر النقدي
- إن العقل الأخلاقي يؤسّسه ويوجّهه نظام القيم وليس النظام المعرفي . هذا شيء ، وذاك شيء آخر . ( الجابري ، العقل الأخلاقي العربي ، 20 ، 1 ) .
عقل إسلاميّ
* في الفكر النقدي
- نعم ، هذا ما دعوته بالعقل الإسلامي . لماذا هو إسلامي ؟ لأنه يحيل دائما إلى الأصول نفسها ، إلى السيادة العليا والمرجعية نفسها .
ولكنك تتذكّر أني قد فرّعته بعد أن بلورته وتحدّثت عن عقول إسلامية ( بالجمع ) لا عقل إسلامي واحد . فهو عقل تعدّدي متنوّع