يصحّ تكليف الإنسان . فالغائية التي قصدوها جميعا ، وهي صحّة التكليف وتحاشي القول بتكليف ما لا يطاق ، ساوقت تحديدهم للعقل من حيث صيغته ومضمونه .
إن العقل عند المعتزلة كاشف إذا عن قدر الأفعال ، ومثبت لها بما يقرّر العقل حسنه نتيجة الدلالة عليه يكون واجبا بحكم العقل ، وما يدرك العقل قبحه يكون حراما . أما عند الأشاعرة ، وخصوصا عند أبي الحسن الأشعري ، فإن العقل هو العلم . عرّفه ابن حزم من جهته من خلال وظيفته الأخلاقية واستحقاق الأحكام عليه . لكن الجويني عرّفه بأنه هو العلوم الضروريّة . أما فخر الدين الرازي ، وهو من المتأخّرين الذين عايشوا اختلاط علم الكلام الإسلامي بمعطيات الفلسفة اليونانية ، فقد رأى أن العقل هو مناط التكليف ، أي أنه حاول تعريفه من خلال وظيفته ومضمونه بحيث يبدو أنه قصره على جملة العلوم الكلّية البديهية ، وهو بذلك يقترب كثيرا من أهل الاعتزال مع أنه أشعري النزعة .
* في الفلسفة
- إن التناقض الذي لفّ قدرة العقل الذاتية على المعرفة ومكانته فيها لدى مفكّري العرب وعلمائهم ، جعله إلى حدّ بعيد مقيّدا محجورا . فها هو الغزالي ومعه ابن تيمية يعتبرانه غريزة وعرضا وصفة تهيّئ الإنسان لإدراك المعلوم . فهو ميزان صحيح ربما إذ لا ريبة في أحكامه ، لكنه لا يذهب إلى أبعد من الوضعيات فيها كما حدّد دوره ابن خلدون . إنه قادر على التجريد ، ولكن في حدود المعقولات الأولية البسيطة والمركّبة حسب ابن سينا . يدرك الأشياء بحقائقها ، لكنه يستلّها مفاهيم خالصة من العقل الفعّال الذي يضبط معارفه من خارج كما أجمع على أمره فلاسفة العرب وعلى هذا المنوال المحدود .
وهنا نتساءل : هل هذا العقل حامل المعرفة أم منتجها ذاتيّا ؟ والجواب أن محدوديته كقدرة إجرائية ، وكفعالية تفسيرية تجمّده على مدركات وأفعال يلوح فيها منفعلا أكثر منه فاعلا ، تبقي حركته محصورة في السياج المعرفي - العقيدي المغلق ، خادما للشريعة مستدلّا بالشاهد على الغائب . وعندما يقلق غير مطمئنّ إلى معارفه ، يجد اليقين خارج النفس والحقيقة منثالة عليه من عل .
هذا ما يفسّر ازدواجية المعرفة في الفكر العربي والإسلامي ، والتي انعكست على السلوكيات المكتسبة لا المنبثقة عن ذواتنا ؛ وكذلك لجوء البعض إلى العرفان عساهم يلمسون الحقيقة حدسا وتجربة وتبيانا باطنيّا .
( راجع : حقيقة ، العقل وفروعه ، فلسفة عقلية ، المعرفة وفروعها ، يقين ) .
* في الفكر الحديث والمعاصر
- لم يختلف كلام المحدثين عن العقل وتركيب مضمونه ووظيفته عمّا كان سائدا عند الفلاسفة المشّائين وعلماء الكلام . لكننا نلحظ عند كمال الحاج تمييزه بين مستويين للعقل : مستوى إدراك جزئي ، ومستوى إدراك روحي . بيد أن زكي نجيب محمود تحدّث عن نقد العقل ، ورأى أن المسألة تذهب إلى الكشف في هذه العملية النقدية عن الأسس