آخر إن كلمة « العقل » تقوم بتغييب ما تتكلّم عليه ، إذ الكلام على « العقل » بالمعنى الكلّي والمطلق ، هو كلام على شيء غائب لا وجود له . لأن ما يوجد هو مجرّد معايشة حسّية أو خبرة فعلية أو آلية فكرية أو إجراءات منهجية . ما يوجد هو مجرّد سيرورة أو ممارسة يمكن أن توصف بالمعقولية أو العقلانية ، أعني ممارسة المرء لذاته بوجهيها ، أي بما هي علاقة الذات بذاتها من جهة ، وعلاقتها بالغير أو بالعالم من جهة أخرى . من هنا فإن كلمة العقل تحجب فعلها ، كما تحجب ذاتها ، وذلك بقدر ما يحول التلفظ بها بينها وبين نفسها من جهة ، وبينها وبين مرجعها من جهة أخرى . ( علي حرب ، نقد النص ، 10 ، 3 ) .
- العقل قوة بشرية توضع في مقابل الانفعال أو العاطفة ، وهي قوة مضادّة للسلطة بشتّى مظاهرها ، تسعى إلى التخلّص من كل آثار التفكير الأسطوري . ويكفي أن نشير إلى أن العقل يعاني أزمة في كل حالة يسعى فيها الإنسان إلى الدفاع عن إحدى هذه القوى المضادّة وتغليبها عليه . ( فؤاد زكريا ، الفكر والثقافة ، 16 ، 4 ) .
- القول بأن العقل هو العلم يؤدّي بطريقة غير مباشرة إلى طبقية اجتماعية ذروتها النخبة العالمة ومن في معناها . بينما القول بأن العقل غريزة يعني من ضمن ما يعني على المستوى الاجتماعي تساوي الناس في الطبيعة ، وانتفاء طبقية المولّد وطبقية السلطة أو الاستعداد لها . ( رضوان السيّد ، الجماعة والمجتمع والدولة ، 301 ، 3 ) .
- إن استقلالية العقل . . . ليست استقلاليته فقط باعتباره عقلا نظريّا ، بل واستقلاليته أيضا باعتباره عقلا عمليّا . فإن وظائف العقل لا تنحصر . . . في تزويدنا بمعرفة علمية للواقع وبمعرفة رياضية ومنطقية وما شابه ذلك . فإن للعقل أيضا وظيفة معيارية - جوهرية ، أي إنه أيضا مصدر معرفتنا لما ينبغي أن يكون وللغايات التي ينبغي أن نختارها ، وللمثل العليا السياسية الاجتماعية التي ينبغي أن نتبنّاها وللقيم والمعايير التي ينبغي أن نجعلها الأساس لتقييم أفعالنا وقراراتنا . فليست المعرفة النظرية وحدها ( المعرفة العلمية والرياضية والمنطقية ) هي من اختصاص العقل ، بل والمعرفة المعيارية أيضا . ( عادل ضاهر ، الفلسفة العلمانية ، 362 ، 6 ) .
- ليس العقل عندنا ذاتا محجوبة عنّا حتى يكون له جوهر يفصله عن أعراضه ، وإنما هو فعل صريح ، وكل فعل لا جوهر له في نفسه ؛ وليس هذا فقط ، بل إنه فعل ، لا كسائر الأفعال ، وإنما فعل تتحقّق فيه الخاصية الفعلية بما لا تتحقّق في غيره ، فيكون بالتالي أكثرها دفعا للجوهرية عن نفسه . وهذا يعني أن لا فعل يساويه في تكثّره ، ما دام حق كل فعل أن يتغيّر وأن يدوم على هذا التغيّر ، بل لا شيء يبلغه في تقلّبه وتشعّبه . ألا ترى أن العقل ما إن يتعاطى لإدراك أمر حتى يتلوّن به تلوّن الماء بالإناء الذي يحويه ، فلون العقل لون مدركه . كل ذلك يدعونا إلى القول بأن العقل ، على الحقيقة ، عقول شتّى ، لا بالإضافة إلى الأفراد المختلفين أو الطوائف الكثيرة أو الأقوام المتفرّقة ، وإنما بالإضافة
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد ) — صفحة 1813
مساهمون: جيرار جهامي
ص١٨١٣