العلوم - رياضية كانت تلك العلوم أم طبيعية - كما يصدق على ميادين الحياة العملية الجارية . ( زكي نجيب محمود ، المعقول واللامعقول ، 373 ، 4 ) .
* في الفكر النقدي
- إن العقل في نظر علماء الكلام والفلاسفة المسلمين هو الوسيلة التي يتعرّف بها الإنسان على الكون من حوله ، وهو الوسيلة التي يعقل بها الأشياء ، فيتأمّل هذا العامل الظاهر بجزئياته المتعدّدة ، وعن طريق هذا التأمّل والتفكّر يصل إلى ما في بناء العالم من نظام ، وإلى ما وراءه من حكمة ، ويصل من ثم إلى معرفة اللّه سبحانه وتعالى وأنه مفارق لكل صفات هذا العالم ومنزّه عنها . وهذه المعرفة العقلية تصل إلى ضرورة شكر هذا الخالق المنعم المتفضّل بطريقة ما . هذا تصوّر المعتزلة والفلاسفة لحركة العقل المعرفية في تصاعدها من جزئيات العالم المدرك الحسي وصولا إلى الكليات العقلية والمفاهيم المجرّدة . ولا تكتمل جوانب المعرفة إلّا بالعمل الذي يتطلّب القدرة والاستطاعة ، وينتهي بالإنسان إلى النجاة من العقاب والفوز بالنعيم الدائم في جنات الخلد عند المعتزلة ، أو في خلود النفس عند الفلاسفة . هكذا وصل « حي بن يقظان » عند ابن طفيل للمعرفة والعمل بعقله المجرّد وتأمّله الخالص دون أن يعرف لغة من اللغات أو يتواصل مع غيره من البشر بأي وسيلة من وسائل الاتصال . وهكذا أيضا يتصوّر المعتزلة أن التكليف العقلي سابق على التكليف الشرعي ، وأن المعرفة العقلية شرط لفهم الشرع وهو ما عبّروا عنه بأسبقية العقل على النقل . ( أبو زيد ، القراءة والتأويل ، 55 ، 23 ) .
- إنّ مفهوم العقل نفسه له تاريخ . فالعقل الذي كان يستخدمه الحسن البصري ليس هو العقل نفسه الذي كان يستخدمه ابن خلدون . . .
العقل ليس شيئا مجرّدا قابعا في الهواء وإنما هو شيء محسوس ومؤطّر بشكل جيّد . العقل ليس جوهرا ثابتا يخرج على كل تاريخية وكل مشروطية . فللعقل تاريخيته أيضا . وكل واحد من هذه العقول المذكورة مرتبط بمرحلة معيّنة من مراحل التاريخ بكل معطياتها وأدواتها . إنه مرتبط بالبيئة والمجتمع والحالة التطوّرية للأنظمة الثقافية والمعرفية السائدة في زمن كل مفكّر . ( أركون ، الفكر الإسلامي ، نقد واجتهاد ، 241 ، 12 ) .
- يمكن أن نحدّد العقل أولا بأنه « ملكة الربط بين الأفكار وفقا لمبادئ كلية » . إن مجرّد « الربط » بين الأفكار لا يكفي لتحديد العقل ؛ إذ الحيوان يربط بين الصور الحسّية فيتوقّع تعاقب صورة بعد صورة بحسب ما اعتاد عليه من رؤيتها متعاقبة . أما الإنسان العاقل فيدرك أن هذا التعاقب يتمّ وفقا لمبدأ ضروري كلّي . ومن هنا أيضا يمكن أن نحدّد العقل بأنه قوانين الفكر الضرورية الكلية . ( بدوي ، مدخل إلى الفلسفة ، 152 ، 5 ) .
- ينتهي بنا تتبّع المعاني اللغوية لكلمة « عقل » ، في انتظامها على سلّم الانتقال من المحسوس المشخّص إلى المعقول المجرّد ، إلى نتيجتين : الأولى هي أن العقل بمثابة قيد