تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد ) — صفحة 1784

مساهمون:

ص١٧٨٤
موضوعية سياسية تقوم بتكوينها الدولة حتى تؤسّسه ؛ في حين أن التضامن العصبوي لا يحتاج إلى اشتغال الدولة عليه وإنما هو ينمو بشكل طبيعي . إن العصبيّة هي مفهوم ثقافي ومقولة سياسية كما تبدو عند ابن خلدون ، وهي كذلك مرادفة للدولة في العالم الحديث . وإذا ما شكّلت داخل الدولة وزنا سياسيّا ما ، أدّت إلى وجود دولة داخل الدولة كنظام يعمل وفقا لآلياته الخاصة ؛ وهو ما نطلق عليه اليوم تسمية « الطائفية » .

عصبيّة عامّة

* في العلوم الاجتماعية والسياسية

- إنّ من طبيعة الملك الانفراد بالمجد ، وذلك أنّ الملك كما قدّمناه إنّما هو بالعصبيّة ، والعصبيّة متألّفة من عصبيات كثيرة تكون واحدة منها أقوى من الأخرى كلّها فتغلبها وتستولي عليها ، حتى تصيّرها جميعا في ضمنها ، وبذلك يكون الاجتماع والغلب على الناس والدول . وسرّه أنّ العصبيّة العامّة للقبيل هي مثل المزاج للمتكوّن ؛ والمزاج إنّما يكون عن العنصر ؛ وقد تبيّن في موضعه أنّ العناصر إذا اجتمعت متكافئة فلا يقع منها مزاج أصلا ، بل لا بدّ أن تكون واحدة منها هي الغالبة على الكل حتى تجمعها وتؤلّفها وتصيّرها عصبيّة واحدة شاملة لجميع العصائب ، وهي موجودة في ضمنها . وتلك العصبيّة الكبرى إنّما تكون لقوم أهل بيت ورياسة فيهم ؛ ولا بدّ أن يكون واحد منهم رئيسا لهم غالبا عليهم ؛ فيتعيّن رئيسا للعصبيّات كلّها لغلب منبته لجميعها . وإذا تعيّن له ذلك فمن الطبيعة الحيوانية خلق الكبر والأنفة ؛ فيأنف حينئذ من المساهمة والمشاركة في استتباعهم والتحكّم فيهم ؛ ويجيء خلق التألّه الذي في طباع البشر مع ما تقتضيه السياسة من انفراد الحاكم ، لفساد الكل باختلاف الحكام :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
( الأنبياء ، 21 / 22 ) . فتجدع حينئذ أنوف العصبيّات وتفلج شكائمهم عن أن يسمّوا إلى مشاركته في التحكّم ، وتقرع عصبيتهم عن ذلك ، وينفرد به ما استطاع ، حتى لا يترك لأحد منهم في الأمر لا ناقة ولا جملا ، فينفرد بذلك المجد بكلّيته ؛ ويدفعهم عن مساهمته ؛ وقد يتمّ ذلك للأول من ملوك الدولة ، وقد لا يتمّ إلّا للثاني والثالث على قدر ممانعة العصبيّات وقوتها . إلا أنّه أمر لا بدّ منه في الدول . ( ابن خلدون ، المقدمة 2 ، 539 ، 20 ) .

عصبيّة قاهرة

* في العلوم الاجتماعية والسياسية

- إنّ الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك ، لأنّ صاحبها إذا بلغ رتبة الرئاسة التي يصير بها متبوعا لا غير ، وأمكنه الترقّي إلى ما وراء ذلك من القهر والتغلّب ، فإنّه يترامى إليه بأقصى جهده ، تكميلا لمطلوب النفس منه ، وتحصيلا لغاية ما تجري إليه العصبيّة القاهرة ، وهو الملك الذي به كمال القهر والتغلّب . قلت : ومن له همّة عليّة يطلب بعده ما وراء ذلك ، من الملك الكبير في الدار الآخرة . قال عمر بن عبد العزيز -