تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد ) — صفحة 1783

مساهمون:

ص١٧٨٣
إنما يؤدّي إلى الثمرة نفسها وكأن صلة النسب موجودة . وهذه اللحمة الجديدة تحصل بالعشرة والمدافعة وطول الممارسة . لذلك عاد ابن خلدون ليعرّف العصبية بالقول « إنها تكون من الالتحام بالنسب أو ما في معناه . فاللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو قريبا منها » . والنسب بحدّ ذاته لا حقيقة اجتماعية له ولا منفعة منه إلّا بما يحمل على المعاشرة . وللعصبية عند ابن خلدون أبعاد متعدّدة نذكر منها : 1 - البعد الاجتماعي الذي يتحصّل من خلال الحياة البدوية حيث تعتبر العصبيّة ، على حسب تعبير أحدهم ، « رد البدوي النفسي على الحياة في الصحراء » . فالعصبيّة تشكّل الشرع الكامل للحياة البدوية من حيث التقاليد والأعراف ، والتي تأخذ محل القوانين في الحضارة . 2 - البعد السياسي المتمثّل في البداوة بمنصب الرئاسة ، أي رئاسة القبيلة التي تكون لصاحب الفخذ الأقوى في العصبيّة ، وحيث أن هذا الرئيس يحكم بالسؤدد والاتباع وبما وفّر في نفوس العامّة من احترام له . 3 - أما البعد الاقتصادي الذي توفّره العصبيّة فهو النصرة في سبيل تحصيل المعاش ، وحماية مصالح الأفراد ضدّ هجمات القبائل المتعدّية على أفراد العصبية الواحدة . يعتبر ابن خلدون أن العصبيّة هي إذا الآليّة المحرّكة لتطوّر المجتمعات وتغيّرها وانتقالها من حال إلى حال . أو لنقل إن العصبيّة هي القوّة العسكرية والتي بواسطتها تنتقل من مجتمعات الكفاية ( بدوية ) إلى مجتمعات الكمالية ( الحضارة ) . هذه الآلية المحرّكة هي التي تتحكّم بقيام الدول وبانهيارها ، تشكّل القوة العسكرية من جهة ، وتشكّل القوّة الاجتماعية التي ينتظم من خلالها المجتمع من جهة ثانية .

* في الفكر الحديث والمعاصر

- تعني العصبية عند مفكّري الفكر الحديث المعنى الخلدوني نفسه في اجتماع القوم بحسب صلة القربى لأجل حماية مصالحهم . وهذا تشكّل اجتماعي يشبه في بعض جوانبه انضواء الناس تحت عصبة الدين أو الوطنية أو النسب . ولا يختلف المعنى كثيرا عند محمد رشيد رضا الذي يركّز على تعصّب الفرد لمن يتّصل به ويذود عن حقّه .

* في الفكر النقدي

- يرفد محمد جابر عصفور معنى العصبيّة بمعنى التعصّب ، ويجعله معيارا أخلاقيّا واجتماعيّا بحسبه تترتّب حياة البشر عموما . وهذا وجه عنصري من وجوه التعصّب ، حيث يتحوّل القرب منه أو الابتعاد عنه معيارا موجبا لإثبات قيمة ما . فالقيمة هنا ترتدّ إلى الجذر الواحد ، والتعصّب يرتدّ إلى معنى الإجماع الذي لا يقبل الخرق والتسليم الذي لا يقبل الاختلاف . يردّ برهان غليون معنى العصبيّة هذا إلى ميل فطري داخل جماعة جزئية من جماعات المجتمع على حساب الولاء العام له . ويسمّي التعصّب العائد للعصبية « إنتماء فطريّا » ، لتمييزه عن الولاء المدني الذي يجمع المجتمع ككلّ ضمن تشكّل هو ثمرة ليس لانتماء فطري طبيعي ، إنما لآليات