- أما كلمة « اللاشيء » فتنطوي على شيء من الالتباس . فقد تعني « غير هذا الشيء » أو غير ذاك الشيء » ، وليس هذا هو المقصود ، بل المقصود غير أي شيء وغير كلّ شيء وغير كل الأشياء جميعا . المقصود هو ضدّ أي شيء من حيث هو شيء إطلاقا ، كما أن الظلمة هي ضدّ النور . المقصود هو ضدّ الوجود إطلاقا . اللاشيء إذن هو اللاموجود إطلاقا . ولذلك فإن كلمة « العدم » خير من كلمة « اللاشيء » . فعند ما نقول إن اللّه خلق الوجود كله من لا شيء نعني أنه خلقه من العدم ، أي إنه لم يخلقه من أية مادة مسبقة ، أيّا كان نوعها ، وإذا خلق اللّه شيئا من مادة مسبقة فهذه المادة ذاتها خلقها اللّه من العدم .
في نهاية النهايات لا يوجد غير اللّه وما يريد اللّه أن يكون . ( شارل مالك ، المقدمة ، 296 ، 13 ) .
* في الفكر النقدي
- بإدخال الزمانية في المنطق ندخل التوتّر والخلق ، التوتّر لأنه الجمع بين السلب والإيجاب ، والسلب معناه الوجودي العدم ، والعدم مصدره التناهي والتناهي أصل الزمان . فالسلب ناشئ إذن عن الزمان ، والعدم أيضا شرط التحقّق في الوجود ، لأن التعيّن لا يتمّ إلّا بالسلب والتحديد ، وهذا هو العدم . أما الخلق فلأن الزمان أصل العدم ، والعدم شرط الوجود . ( بدوي ، الفلسفة الوجودية ، 234 ، 11 ) .
* تعليق
* في علم الكلام
- عند المعتزلة يعني العدم زوال صفة الوجود ، بمعنى آخر عدم حصول صفة تنقل الشيء من العدم إلى الوجود ، وهي بالتحديد صفة الحدوث . فالعدم ليس صفة محدّدة ، بل هو لازم عن زوال صفة ، فتحديده يكون بالسلب لا بالإيجاب .
أمّا عند الأشاعرة ، وتخصيصا عند الغزالي منهم ، « فالعدم هو ما علم اللّه تعالى أنه لا يوجد » . وبالتالي فإنه على رأي فخر الدين الرازي هو النفي المحض ويستحيل أن يوصف . وإلى المعنى نفسه ذهب ابن حزم بالقول إن العدم هو نفي صفة الوجود وإبطالها .
ويتبع القول بالقدم القول بالمعدوم عند المعتزلة ، حيث إن البغداديين منهم قالوا : إن موضوع العلم الإلهي قديم ، ولمّا كان اللّه يعلم الأشياء قبل وجودها لزم أن تكون هذه الأشياء أشياء قبل وجودها . طبعا انقسم المعتزلة حول هذه المسألة ، فنفاها البلخي بكونها تؤدّي إلى أن يكون المعدوم ذاتا في عدمه . وأنكرها أيضا أبو الهذيل وأبو الحسن البصري ، واعتبرا أن القول بشيئية المعدوم يفضي إلى تصوّر ثان في القدم ، لأن تصوّر حقائق الأشياء وأحكامها يثبت في عقولنا قبل وجودها .
إن نظرية المعدوم تقرّر « أن الأشياء أشياء قبل كونها لأن اللّه حين يمنح الأشياء صفتها الوجودية ، فإنه لم يضف إليها شيئا جديدا غير صفة الوجود لأن معرفته بها معرفة قبلية ،