أحداث تاريخهم ، رضي اللّه عنهم أجمعين ، بمقاييس العدل الإنساني ، فهذا حقّنا ، ولا نستطيع في واقع الأمر أن ننظر إليهم إلّا من منظور هذه المقاييس حصرا ، لكن ذلك لا يعني أننا نحتج على العدل الإلهي ، وإذا كان هناك صحابي مبشّر بالجنة ( عدل إلهي ) وانتقدناه ، فهذا لا يعني أبدا أننا نريد إرساله إلى النار . فالجنة والنار من اختصاص ربّ الجنّة والنار ، وإدخال الناس إلى إحداهما ، يحصل بقرار منه وحده سبحانه ، وليس من اختصاص أحد من العالمين . ( محمد شحرور ، الدولة والمجتمع ، 115 ، 17 ) .
عدالة تامّة
* في العلوم الاجتماعية والسياسية
- العدل التام هو أن تساوي بين المجهول الذي لا يعرف وبين المحتشم صاحب الجاه المعروف في مقام واحد في الدعاوى ، وتنظر أيضا بعين واحدة ، ولا تفضل أحدهما على الآخر لأجل أنّ أحدهما فقير والآخر غني ، فإنّ الجوهر والخزف في الآخرة بسعر واحد . ( الغزالي ، نصيحة الملوك ، 57 ، 13 ) .
عدالة ثقافيّة
* في الفكر النقدي
- في إطار الحركة الثقافية بمنابرها المختلفة وأطرها المتعدّدة والمتنوّعة نفهم قيمة العدالة متجسّدة في النقاط التالية : 1 - إن العدالة في بعدها الثقافي ، تقتضي تكوين العلاقات وفتح الجسور وتحقيق مفهوم التعارف مع الثقافات الإنسانية المختلفة ، لأنها لا تشكّل الشرّ المطلق ، أو الخطأ المحض . بل هي ثقافات إنسانية ، تشكّلت عبر تجربة طويلة ، لذلك فإن الانغلاق عنها يعدّ ظلما لتلك الثقافة ، لأنها إنجاز إنساني عام ، بإمكاننا الاستفادة من عناصرها بما يخدم وضعنا وراهننا . وتكوين العلاقات والتعارف مع المدارس الفكرية والثقافية الموجودة في الساحة ، ليس من أجل الدخول في حوار لاهوتي ، يتّجه إلى الإفحام وتسجيل النقاط .
وإنما من أجل تحقيق مفهوم التعارف الثقافي المتبادل ، الذي هو التجسيد العملي لمفهوم العدالة في الدائرة الثقافية . . . فالعدالة الثقافية تقتضي مراعاة هذه الأمور والقضايا في تحديد المواقف ، وتقويم الأفكار والثقافات . . . . 2 - الرغبة الحقيقية في تطوير الذات وتوسيع آفاقها المعرفية ، والاستفادة من معارف الآخرين وإنجازاتهم .
والاعتقاد الجازم بأن الإنسان مهما علا كعبه فهو لا يمتلك المعرفة المطلقة والحقيقة الخالصة . بل معرفته معرفة نسبية تغتني بالحوار والتفاعل وعدم التكبّر ، والتواضع للعلم والمعرفة ، والتعلّم من الآخرين ، وإن كانوا أدنى منه منزلة وحسبا . . . . 3 - العدالة الثقافية تعني الحوار والثقة بالنفس واحترام الرأي الآخر . والابتعاد عن سلاح التسقيط والتخوين والتكفير . . . . ومن متطلّبات العدالة أيضا الانفتاح على جميع الاجتهادات الثقافية والفكرية في الأمّة لانتخاب أصوبها وأصلحها ، والابتعاد عن الاعتبارات السوداء التي تمنع عملية الانفتاح على الاجتهادات المطروحة في الساحة .