صناعة الطبّ
* في العلوم
- إن صناعة الطب هي صناعة فاعلة عن مبادئ صادقة ، يلتمس بها حفظ بدن الإنسان ، وإبطال المرض ، وذلك بأقصى ما يمكن ، في واحد واحد من الأبدان . فإن هذه الصناعة ليس غايتها أن تبرئ ولا بدّ ، بل أن تفعل ما يجب ، بالمقدار الذي يجب ، وفي الوقت الذي يجب . ( ابن رشد ، الكليات في الطب ، 19 ، 8 ) .
- لما كانت الصنائع الفاعلة ، بما هي صنائع فاعلة ، تشتمل على ثلاثة أشياء : أحدها معرفة موضوعاتها ، والثاني معرفة الغايات المطلوب تحصيلها في تلك الموضوعات ، والثالث معرفة الآلات التي بها تحصل تلك الغايات ، في تلك الموضوعات ، انقسمت باضطرار صناعة الطب أولا إلى هذه الأقسام الثلاثة . فالقسم الأول الذي هو معرفة الموضوعات ، تعرف فيه الأعضاء التي يتركّب منها بدن الإنسان ، البسيطة والمركّبة ، ولما كانت الغاية المطلوبة هاهنا صنفين :
حفظ الصحة ، وإزالة المرض ، انقسم هذا الجزء إلى قسمين : أحدهما تعرف فيه ما هي الصحة بجميع ما به تتقوّم ، وهي الأسباب الأربعة التي هي : العنصر ، والصورة ، والفاعل ، والغاية ، وجميع لواحقها . والقسم الثاني : يعرف فيه ما هو المرض أيضا بجميع أسبابه ولواحقه . ولما كان أيضا ليس في معرفة ماهية الصحة ، والمرض كفاية في حفظ هذه ، وإزالة هذا انقسم هذان الجزءان أيضا إلى جزءين آخرين : أحدهما يعرف فيه كيف تحفظ الصحة ، والثاني كيف يبطل المرض . ولما كانت الصحة أيضا والمرض ليسا بيّنين بأنفسهما من أول الأمر احتيج أيضا إلى تعرّف العلامات الصحية والمرضية ، وصار هذا أيضا أحد أجزاء هذه الصناعة . ( ابن رشد ، الكليات في الطب ، 19 ، 16 ) .
- من فروع الطبيعيات صناعة الطب ، وهي صناعة تنظر في بدن الإنسان من حيث يمرض ويصحّ ، فيحاول صاحبها حفظ الصحّة وبرء المرض بالأدوية والأغذية ، بعد أن يتبيّن المرض الذي يخصّ كل عضو من أعضاء البدن ، وأسباب تلك الأمراض التي تنشأ عنها ، وما لكل مرض من الأدوية ، مستدلّين على ذلك بأمزجة الأدوية وقواها ، وعلى المرض بالعلامات المؤذية بنضجه وقبوله الدواء أولا في السجيّة والفضلات والنبض ، محاذين لذلك قوة الطبيعة ، فإنها المدبّرة في حالتي الصحة والمرض ، وإنما الطبيب يحاذيها ويعينها بعض الشيء بحسب ما تقتضيه طبيعة المادة والفصل والسن . ويسمّى العلم الجامع لهذا كله علم الطب . وربما أفردوا بعض الأعضاء بالكلام وجعلوه علما خاصّا كالعين وعللها وأكحالها . وكذلك ألحقوا بالفن من منافع الأعضاء ومعناه المنفعة التي لأجلها خلق كل عضو من أعضاء البدن الحيواني ، وإن لم يكن ذلك من موضوع علم الطب ، إلا أنهم جعلوه من لواحقه وتوابعه . ( ابن خلدون ، المقدمة 3 ، 1142 ، 10 ) .